ثمة جزئية ملفتة في أوروبا، مرتبطة بمسألة القومية أو ربما الشوفينية، الباحثة دائما عن وسيلة معيّنة للاندماج مع التطور الأشمل المتسارع حاليا، ضمن الكيان الذي يعرف باسم الاتحاد الأوروبي.

وهذه الجزئية كانت موجودة بنسب مختلفة ضمن مجتمعات الدول الأعضاء المؤسسة لهذا الاتحاد، لكنها تمكنت مع مرور الوقت من التغلّب على المشاكل المرتبطة بها، ضمن الصيغة المتعارف عليها حاليا في هيئات وأطر عمل الاتحاد.

ما أصبح آنيا في الوقت الحاضر، هو كيف ستتمكن الدول المنضمة حديثا، وربما تلك التي تتأهّب للانضمام، من استيعاب التجارب المثمرة لمن سبقها من الدول، والتعامل مع هذه الجزئية الخطيرة بكل مسئولية ورقي؟

فقد باتت هذه الاستفسارات محقة في ظل التطورات الجدّية التي تبرز هنا وهناك، بعضها مغلّف بإطار دبلوماسي روتيني، لكنه، وهذا هو الأخطر، معتمد على خلفيات عرقية ودعم قومي وشعبي مختلف.

وحتى لا نضيع في متاهات التفسير العام، سنركّز على مثال مصغّر ممّا يحدث في بعض جوانب أوروبا من صراعات، قد تتفاقم مع الوقت وتنمو في ظاهرة أعمق مما قد تبدو عليه حاليا..

فقد صادق البرلمان السلوفاكي مؤخرا على قانون يُلزم المدارس والمؤسسات الرسمية على اختلافها، بإبراز رموز الدولة من نشيد وطني وما شابه ذلك بشكل مستمر، كنوع من التأكيد على هوية الدولة.

هذا يعني أن المدارس ستُلزم من اليوم فصاعدا بعزف النشيد الوطني في بداية كل أسبوع لكي يحفظه الطلاب، وسترفع الأعلام الرسمية وصور مسؤولي الدولة في كافة أروقتها وجوانبها.

إضافة إلى ذلك، سيلزم موظفو الدولة بأداء قسم اليمين عند استلامهم لوظائفهم، حيث يتعهدون من خلاله بالولاء للوطن السلوفاكي دون غيره.

وقد يبدو هذا الأمر عاديا جدا لمن هو مقيم في أرجاء الوطن العربي الشاسع، باعتبار أن كل هذه التقاليد مرسّخة في الممارسة اليومية لمدارسنا ومؤسساتنا منذ زمن بعيد.. وإن بشكل مبالغ فيه أحيانا، إلا أن نظرة أقرب إلى جوهر الأمر، تكشف ما هو أبعد وأخطر من ذلك بكثير.

فالقانون المذكور طُرح للنقاش والمصادقة من قبل الحزب اليميني القومي المتشدد، الذي حافظ منذ استقلال سلوفاكيا على نبرة قومية واضحة في كافة تفاصيل نشاطه السياسي وحتى الاجتماعي.

وهو أحد ثلاثة أحزاب تشكّل في الوقت الحاضر ائتلافا حاكما، يتمتّع بأكثر من خمسين في المئة من تأييد جماهير الشعب، وبالتالي فهو مرشح لإمكانية الاستمرار في سدّة المسؤولية، بعد الفوز المتوقع في الانتخابات البرلمانية المرتقبة.

أما سبب طرح هذا القانون الذي قد يبدو للبعض غير متناسق مع المفهوم الأوروبي المعاصر، فيتمثل في القناعة التي باتت مترسخة في نفوس القوميين السلوفاكيين، ومفادها أن نظراءهم على الجانب الآخر المنافس، أي المتشددون المجريون، باتوا يتمتعون بنسبة تأييد عالية جدا داخل المجتمع المجري.

وهذا يستدعي دق ناقوس الخطر، لأن ذلك يعني، حسب إحصائيات الحزب القومي السلوفاكي طبعا، أن واحدا من كل خمسة مواطنين مجريين، مؤمن بزوال سلوفاكيا لأنها دولة اصطناعية، ويجب العمل لإعادتها إلى حضن وطنها الأم.. أي المجر.

ومما لا شك فيه أن هذه المخاوف السلوفاكية عزّزتها سلسلة من الفعاليات والتصريحات التي شهدتها المنطقة مؤخرا، لاسيما تلك التي ينشط من خلالها المتشددون المجريون، إن كان على الساحة المحلية أم ضمن هيئات البرلمان الأوروبي، المفترض أن يكون حاضنا لفسيفساء الانتماءات الأوروبية المختلفة.

وليست التصريحات الاستفزازية الصادرة مؤخرا عن النائب المجري في البرلمان الأوروبي، تشاناد سيغيدي، والتي ذكّر فيها أنصاره مجددا بأن «المجر تتقاسم حدودها الشمالية مع بولندا»، سوى جزء من وقود الفتنة الآخذة بالتكامل.

تضاف إلى ذلك مطالبته المتكررة بإلغاء «مراسيم بينيش»، والتي ساهمت في تأميم ممتلكات آلاف المواطنين المجريين بسبب تعاملهم مع النظام النازي، وغير ذلك من المطالب.

بكل تأكيد، فإن تصريحات مثل هذه تساهم في بث نار التفرقة بين الشعبين، وتلعب لصالح من يرغب في تأجيج المشاعر دائما لأسباب مختلفة. والنائب المذكور تعمّد إزالة سلوفاكيا من الخارطة الجغرافية، لكنه أراد في الواقع أن يكرّس هذه الممارسة المتطرفة في إدراك المجريين وقناعاتهم الإيديولوجية.

زد على ذلك بالطبع، سلسلة من المشاكل القائمة منذ زمن بعيد، على صعيد التعايش المشترك بين صفوف الأقلية المجرية المنتشرة على طول المناطق الواقعة في جنوب سلوفاكيا، وطريقة اندماجها بشكل منطقي ومقبول مع المجتمع السلوفاكي الأشمل.

وهذه أمور، بطبيعة الحال، تدخل في تفاصيل الحياة السياسية للبلدين المتجاورين، لكن حدّتها ترتفع عادة مع اقتراب مواعيد الانتخابات.

ما يجب تأكيده في هذا السياق، هو أن الأداء الرسمي في كلا البلدين يبقى محافظا قدر الإمكان على الحدود المنطقية من التعامل الدبلوماسي، وضمن ما هو متعارف عليه من أصول اللياقة المفترض قيامها بين الدول المتجاورة، الحليفة أصلا.

وهذا أضعف الإيمان المطلوب من دول خاضت تجارب قاسية كثيرة في تاريخها المعاصر، وناضلت من أجل التكامل مع «أوروبا الديمقراطية»، بعدما عانت الأمرّين من تجربتي الاحتلال النازي والحكم الاستئثاري الشيوعي.

وقد انضوى البلدان في مجموعة «فيشغراد» التي نسّقت الجهود بينها وبين دول أخرى مجاورة، للانضمام إلى حلف الناتو ولاحقا الاتحاد الأوروبي.

قد يكون مفيدا التذكير بأن التفاصيل الخطيرة المرتبطة بالتوتر القومي، ليست مقتصرة حتما على البلدين المذكورين، حيث يمكن إيجاد الكثير من تلك البؤر التي مازالت اليوم خامدة لسبب أو لآخر.

ما يمكن تأكيده حتما، هو أن تلك البؤر والخلافات المتجذرة في ثقافة ونفوس شعوب المنطقة ستبقى، رغم التطور الديمقراطي القائم، بمثابة رماد حار، سيشتعل لهيبه الحارق مع حلول أول لحظة ضعف أوروبية.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz