منذ أن تم توقيع الاتفاقية بين المغرب والاتحاد الأوروبي في 26 فبراير 1996، الذي سبقته مفاوضات شاقة بسبب تعقيد الملفات ولا سيما في مجالي الزراعة والصيد البحري، لم يعد المغرب في دائرة الجوار فقط مع الاتحاد الأوروبي، بل إنه دخل في منطق الاندماج.
هذا ما أكدته القمة الأولى بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، التي عقدت في قصر الحمراء التاريخي في مدينة غرناطة جنوب إسبانيا، والذي يرمز لدور الأندلس كجسر بين ضفتي المتوسط، يوم 9 مارس الحالي.
وقد ترأس هذه القمة من الجانب المغربي الوزير الأول عباس الفاسي، ومن الجانب الأوروبي هرمان فان رامبوي رئيس السلطة التنفيذية الجديدة للاتحاد الأوروبي، المتمثلة في المجلس الاوروبي.
لا شك أن قمة غرناطة تشكل نقطة تحول تاريخي في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ودولة عربية تقع جنوب المتوسط، إذ منح الاتحاد الأوروبي للمغرب في أكتوبر 2008.
وضع «اتفاق الوضع المتقدم»، علماً بأن مبادلات المغرب مع الاتحاد الأوروبي تبلغ حوالي 70% من مجموع مبادلاته التجارية مع الخارج، كما أن الاتحاد منح المغرب أيضاً المساعدة المالية الأولى التي تقدر بنحو 205 ملايين يورو سنة 2009.
وتأتي قمة غرناطة نتيجة منطقية لسياسة الانفتاح التي تنتهجها المغرب في تعامله مع السياسة الأوروبية للجوار، وبعد أن أصبح ينظر إليه بوصفه التلميذ النجيب للاتحاد الأوروبي في جنوب المتوسط.
بيد أن هذه النظرة الإيجابية في موقف الاتحاد الأوروبي من المغرب، لا تحجب عنه الأمور التي تشكل نقاط خلاف بين الطرفين، حيث أكدت القمة الأوروبية المغربية في ختام أعمالها أن «وصول المغرب إلى المستوى الأمثل من التقارب مع الاتحاد الأوروبي.
يتطلب منها المضي قدما في نهج التحديث السياسي والانفتاح الاقتصادي والتماسك الاجتماعي»، وهي عبارات تبدو بمنزلة «خارطة طريق» يتعين على المغرب نهجها في سبيل تعميق علاقاتاه مع الاتحاد الأوروبي، والذي تعهد من جانبه بدعم مسلسل الإصلاحات في المغرب والعمل معها بشكل «منسق» لتحقيق مصالح الطرفين.
من منظور الاتحاد الأوروبي، الوضع المتميز الذي تحظى به المغرب في علاقاتها الأوروبية، لا يتحدد من خلال دعم الإصلاح الاقتصادي الهيكلي لجهة الحد من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي وتطوير القطاع الخاص، مع التدرج في نقل الملكية العمومية إلى الخواص.
واعتماد سياسة الانفتاح الاقتصادي على السوق العالمية، وتأسيس منطقة تبادل حر أورو ت مغربية، والقيام بالإصلاح الضريبي (استمرار التوسع في أساس الضريبة على القيمة المضافة، وإعادة تحديد الضريبة على الدخل) والموازنة، فحسب، بل أيضاً من خلال إحراز تقدم حقيقي في مجال بناء الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، وتخفيف الفوارق الاجتماعية.
ويعتقد بعض المحللين الغربيين أن المغرب حقق تقدما في مجال حقوق الإنسان، وهو ما يجعله في وضع متقدم على بلدان أخرى في منطقة المغرب العربي، ويرون أن تعميق علاقات هذا البلد مع الاتحاد الأوروبي، يساهم في تقوية الديمقراطية ومساعدة المجتمع المدني هناك على تحقيق تقدم أكبر.
لقد عبر الاتحاد الأوروبي والمغرب في قمة غرناطة الأخيرة، عن إرادتهما لبناء شراكاتهما في مجال العلاقات الخارجية على أساس القيم المشتركة للديمقراطية ودولة القانون وحقوق الإنسان.
رغم أن أمورا كثيرة لم تتم تسويتها بعد، مثل المصادقة على اتفاق التبادل في القطاع الزراعي الذي سيحتاج إلى موافقة البرلمان الأوروبي، كما أكد ذلك خوسيه مانويل باروزو رئيس المفوضية الأوروبية خلال مؤتمر صحافي في غرناطة.
ومن المعلوم أن القطاع الزراعي يحتل دورا متميزا في النسيج الاقتصادي والاجتماعي المغربي، إذ يشكل 20% من الناتج المحلي الإجمالي، كما يوفر العمل لأكثر من 6 ملايين من الأيدي العاملة في المغرب.
ويساهم بحوالي 40% من الصادرات المغربية وحوالي 20% من الواردات، ويستقطب نحو 25% من الاستثمارات الوطنية. ولا يزال دخول المنتجات الزراعية المغربية إلى الأسواق الأوروبية، يصطدم بمصالح بلدان أوروبا الجنوبية، مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان.
كاتب تونسي