يمكن اعتبار الانتخابات الراهنة، المقررة الشهر المقبل، من أكثر الانتخابات عرضة للانتهاكات؛ فهي مكشوفة للتزوير والأساليب الفاسدة. وعلى الرغم من الحملة المبكرة لحشد الجهات الرقابية، فإن آليات الالتفاف تنشط بدورها للإفلات من جريمة التزوير.
وهذه مشكلة صدقية، وليست مسألة قانونية، لأن القانون لا بد أن يتحول إلى قناعة شخصية وضمير وثقافة. وفي هذه الحالة يراقب الإنسان نفسه داخلياً، ولا يحتاج لمن يراقبه، وهذا ينطبق على كل أشكال السلوك وممارسة الحياة.
وفي حالة الانتخابات، نلاحظ تناقضاً غريباً، فالكل يقسم ويؤكد نزاهة وحرية الانتخابات، ومع ذلك نستورد العشرات من الأجانب، ونرضى في النهاية بما يمنحونه من شهادة نجاح أو فشل لانتخاباتنا!.
وهنا تبرز نقطة مهمة في أخلاقية المتدين السوداني، سواءً أكان الحاكم الذي يرفع شعار تطبيق الشريعة أم السياسي المسلم الملتزم. لماذا نحتاج إلى «النصارى» أو «الكفار» كي يقرروا أننا زوّرنا أو لم نزوّر؟
هذه تساؤلات ضرورية، غالباً ما تضيع في ضجيج السياسة، حيث لا نختبر جوهر عقائدنا وصدق أخلاقنا على ضوء ممارسات واقعية مثل الانتخابات.
هل يطلب الأوروبيون الغربيون مراقبين لانتخاباتهم؟ هنا المسألة ليست مرتبطة بحداثة أو قدم التجربة الديمقراطية، وليست سياسية، بل تمتد للأخلاق: صدق أو كذب في السلوك والتعامل.
وهذه أعتقد بأنها مقاربة ضرورية وتأسيسية عندما نتحدث عن الديمقراطية في بلادنا، أي أن تكون جزءاً من الثقافة، وألا تكون مجرد «عجمي فالعب به»، كما نقول في اللغة!
عقدت السيدة فيرونييك دوكسير، رئيسة بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات في السودان، مؤتمراً صحافياً لتدشين عمل الاتحاد الأوروبي في المراقبة. وتتكون البعثة من 130 مراقباً يمثلون 22 دولة، مهمتها تقييم الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي لم تجر منذ 24 عاماً.
وقد جاء في لقائها مع الإعلاميين كثير من الملاحظات والتعليقات، والتي سوف تنعكس على طريقة العمل ومتابعة الانتخابات السودانية. فقد عبرت عن قلقها الشديد لافتقار الناخبين السودانيين لإدراك معنى الانتخابات.
وقالت حرفياً: «إذا لم يفهم الناس معنى التصويت بالفعل فسيكون هذا بالنسبة لي العقبة الرئيسية على الأقل.. والوضع صعب لأن الناس لم يصوتوا قط.. إن نقص الوعي غير متعمد، وإن الاتحاد الأوروبي تعهد بأموال لزيادة وعي الناس».
ومن أخطر ملاحظاتها، وهي ملاحظة تتكرر لدي الغربيين، أن الانتخابات لن تكون مثالية! وهذا يعني أن علينا أن نتوقع حدوث خروقات، وستكون المسألة نسبية. وهنا ينفتح باب يسمح بالكثير، بسبب التساهل في الممارسات والإجراءات.
فقد لاحظنا أن الطعون التي قدمت ضد بعض عمليات التسجيل، تم التعامل معها بقدر كبير من التسامح الضار. وصرح المراقبون بأن العملية في مجملها مقبولة. وبالتأكيد هم في هذه الحالة يقارنون بما حدث في زائير، وليس بما يحدث حتى في مولدافيا.
وهذا موقف يقارب العنصرية، أي أنه لا يتوقع منا أكثر من هذا. وعلى المراقبين ألا يكيلوا بمكيالين، وأن يكون المعيار واحداً، رغم تخلفنا في جوانب أخرى، طالما رضينا بالديمقراطية والانتخابات.
وبدأت العملية الانتخابية وصاحبتها من البداية الاحتجاجات والاتهامات بالانحياز، باعتبار أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم أظهر تقصيراً واضحاً في توفير المستحقات المطلوبة لقيام انتخابات حرة ونزيهة.
وحسب بيان للقوى المعارضة: «لم تنفذ البنود الأساسية في اتفاقية السلام، التي تهيئ البيئة القانونية والسياسية لاستدامة السلام في الجنوب، وحل مشكلة دارفور، وهيكلة أجهزة الدولة، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات والمتعارضة مع الدستور».
وهنا يظهر غياب الوعي الذي تحدثت عنه رئيسة بعثة المراقبة. فقد اكتفت المعارضة بالبيان، ولم تلاحق الأخطاء إدارياً وقانونياً. والآن، وعلى بعد أيام قليلة من عملية الاقتراع نفسها، ركزت حملة المعارضة على لجنة الانتخابات.
واتهمت الأحزاب المعارضة اللجنة بأنها: «أظهرت ضعفاً إدارياً وإعلامياً كبيراً، وتجاوزاً لنصوص قانون الانتخابات في كثير من بنوده، ولم تستطع أن تؤكد استقلاليتها، ما خلق تشوهات كبيرة في السجل الانتخابي عجزت المفوضية عن تصحيحها، رغم الطعون والاعتراضات».
ولا أدري هل تعمدت اللجنة ممارسة «سياسة الصهينة» المعتمدة رسمياً حتى يموت الأمر بالتجاهل، أم أن الحلول غير ممكنة؟ ولكن مهما كانت الأسباب، فقد استيقظت المعارضة بدورها، وأثارت المشكلات المعلقة، وربطت استمرارها في العملية الانتخابية بحل هذه القضايا. وجاء رد المفوضية ليغلق الباب أمام معالجة مقبولة للأخطاء. وأخشي أن تكون رهاناتهم على غفوة جديدة للمعارضة حتى تمرير الاقتراع.
تكمن فلسفة الانتخابات في مبدأ حرية الاختيار، أو الاختيار الحر. والحرية مرتبطة بالمعرفة والقدرة على التمييز. وفي الحالة السودانية الراهنة تبرز تقييدات حرية الاختيار، بسبب وجود قوانين مقيدة للحريات يفرضها النظام. ولكن المعارضة لم تصر وتشترط قيام حكومة قومية انتقالية، كما جرت العادة في كل الانتخابات السابقة في السودان أو خارجه.
وهي تشكو الآن من استغلال المؤتمر لسلطاته، وهذا أمر طبيعي، وعكسه يحتاج إلى قدر كبير من الورع الديمقراطي. والنتيجة الأخيرة ستكون أن الحزب الحاكم سيفرض على الشعب انتخابات غير تنافسية، أي ديمقراطية بلا خيار، لأن الناخبين لم يمارسوا كامل حقهم بلا قيود.
ويقول عنها علماء السياسة: «إن الناخبين لم ينتخبوا النائب، وإنما هو الذي انتخب نفسه، ولكن بواسطتهم»! (جايتانو موسكا). ومن مظاهر غياب الوعي وحرية الاختيار، أن تجد كثيراً من المواطنين ينتقد نظام الرئيس البشير بعنف وحزم، وفي الوقت نفسه يقولون: سوف نصوت له.
وهذه وضعية على عكس ما نسميه بالتصويت العقابي، أي لست ضد الحزب المعين، ولكن ترفض التصويت له لإظهار احتجاجك.
وفي السودان ليس الاحتجاج والعقاب هما الدافع، ولكن الحيرة والجهل. وهناك ظاهرة تسمى «مرض استكهولم»، حيث يتماهى الضحية مع مضطهده. ولكن خطورة هذا الموقف تكمن في سؤال نمطي: ما البديل؟ نحن أمام انعدام الخيارات، وبالتالي عقم هذه المجتمعات وعجزها عن التجديد الذاتي، ومن ثم توقف الحراك والتغيير.
من الملاحظ أن سياسيينا لا يساعدون الجماهير على رفع الوعي، وذلك بسب اللغة السوقية التي تستخدمها قيادات متعلمة وحائزة على شهادات عليا. وكثيراً ما أقارن وأعود للانتخابات الأولى، وأستعرض المرشحين، وبينهم شعراء وأدباء يعلمون الناس ويُمتعونهم باللغة والفكر. ولكن، من يقود العمل السياسي الآن؟ هل تركنا مستقبلنا خلفنا؟!
كاتب سوداني
