إسرائيل تجتاح فلسطين بكاملها، ليس فقط استيطانا وتهويدا، بل وتدميرا وتخريبا وإلغاء، واعتقالا للشعب الفلسطيني بكامله على امتداد مساحة فلسطين. بل إن العدوان الاحتلالي تجاوز كل ذلك إلى تهويد المسميات والمعالم التراثية العربية الإسلامية والمسيحية على حد سواء، وضمها إلى التراث الصهيوني المزيف.

وقرار تهويد الحرم الابراهيمي ما هو إلا مقدمة لقرار قادم، ربما بتقسيم أو هدم المسجد الأقصى، فهل هناك أشد خطرا من ذلك؟!

الاحتلال يهود الزمان والمكان والتراث العربي في فلسطين، ويكتفي العرب حتى الآن ببيانات الشجب والاستنكار، والانسحاب من عملية المفاوضات التي سرعان ما يعودون إليها! فالقرار الإسرائيلي الأخير ببناء 1600 وحدة استيطانية، قوبل ب ـ «إدانة» واسعة في العالمين العربي والإسلامي، ومن جانب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة المؤتمر الإسلامي والعديد من عواصم العالم>

فيما أكد مصدر أميركي أن الإعلان الإسرائيلي أثناء زيارة نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن، وضع الإدارة الأميركية في «وضع حرج»، بل إن بايدن استشاط غضبا قائلا: «لقد غرسوا سكينا في ظهري، لقد مسوا بي، وبالرئيس اوباما، وبالولايات المتحدة، وبمسيرة السلام، وبالثقة، وبكل من يؤمن أنه يمكن فعل شيء ما ها هنا»، وكذلك هيلاري كلينتون أجرت اتصالا سمي ب ـ «توبيخ» مع نتنياهو. كما أن الرباعية الدولية بدورها نددت بقرار اسرائيل.

وأعلنت الخارجية الفرنسية إدانة القرار بصفته «غير شرعي» و«غير مناسب»، بينما وصفته ألمانيا بأنه «غير مقبول»، واعتبرت أوسلو وكوبنهاغن أنه «إشارة سيئة في توقيت سيئ»، أما الامم المتحدة فأعلنت أن «المستوطنات غير شرعية بموجب القانون الدولي» وأن «أنشطة الاستيطان تخالف التزامات إسرائيل بموجب خارطة الطريق..».

ولم تخرج ردود الفعل، فلسطينيا وعربيا، عن مثل هذه التصريحات والمواقف، معتبرة أن القرار «ينسف الثقة»، أو «أن قرارات الاستيطان، تمثل انتهاكاً صارخاً للشرعية الدولية ومواثيق حقوق الإنسان»... الخ.

أما الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، فكان أكثر وضوحا، عندما قال: «إن ما بدر من إسرائيل إهانة موجهة لكل العرب»، وأن الاسرائيليين «لا يقيمون وزنا لأحد، لا للوسيط الاميركي، ولا للفلسطينيين»، مضيفا أن «الرعونة في السياسة الإسرائيلية وصلت لدرجة خطيرة جدا لا يمكن السكوت عليها».

ورغم هذا الاجماع العربي الدولي على إدانة قرارات الاستيطان الاسرائيلية، وهو إجماع لم يحدث من قبل، تأتي الإدارة الأميركية على الضحية الفلسطينية لتزيد من الفتك المعنوي بها.

فميتشل يطالب السلطة بالبدء في المفاوضات غير المباشرة، وبايدن يدعوها إلى استئناف المفاوضات دون تأخير، بل ويطالبها بإلغاء حفل تدشين ميدان الشهيدة دلال المغربي، وقد حدث! والرباعية تدعوها لاستئناف سريع للحوار.

أما إسرائيل فماضية في أجندتها الخاصة، والتي تحكمها معادلة: «ليقل العالم ـ غير اليهود ـ ما يقوله، ولكن قاطرة الاستيطان ماضية باستمرار، وفي كل المواقع والمناطق المحتلة»!

بل إن يوسي ساريد يتطوع ليكشف الحقيقة ـ السافرة ـ للعرب والعالم (هارتس 11/3/2010) قائلا: «لا تصدقوا نتنياهو، في أنه لم يكن يعلم بإعلان إيلي يشاي عن الشروع في بناء 1600 وحدة سكنية في القدس الشرقية، إن الحقيقة هي أن الحكومة قررت البناء الضخم في القدس الكبرى، بمصادرة الملكيات والطرد وإحلال المستوطنين مكان الفلسطينيين»، مضيفا: «لا تصدقوه..

فلو كنتُ أنا رام عمانويل (كبير موظفي البيت الأبيض الأميركي)، لكنتُ أوصيت أوباما بعدم زيارة إسرائيل، فلو أنه زار إسرائيل وقرر أن يلقي خطابا في الكنيست، فسوف يبلغونه أثناء الخطبة أنهم قرروا الشروع في بناء الهيكل الثالث.. فالهيكل الأول كان هيكل سليمان، أما الثاني فهو هيكل عزرا، أما الثالث فهو هيكل نتنياهو وإيلي يشاي»!

إلى كل ذلك، هناك خطة نتنياهو لتهويد المعالم والمواقع التراثية العربية، التي أعلن عنها أمام مؤتمر هرتسليا في مطلع فبراير 2010، واستتبعت حكومته ذلك بقرار تهويد الحرم الابراهيمي ومسجد بلال بن رباح وأسوار القدس..

فالقصة، إذن، مبيتة مع سبق التخطيط والترصد، وعلى أسس ايديولوجية واستراتيجية، منها ما كان نتنياهو قاله أثناء استضافته قبل شهور لوزير الخارجية الالماني السابق، فرانك شتاينماير، باستخدامه مصطلحا نازيا على نحو خاص، للتنديد بمطالبة الفلسطينيين والعرب والعالم بوقف الاستيطان في القدس والضفة الغربية، اذ قال «إن الضفة الغربية لن تكون يودينراين».

أي نظيفة من اليهود، وذلك في إشارة واضحة إلى إبقاء المستوطنين في الضفة الغربية. وحث نتنياهو الوزراء على استخدام هذا المصطلح لدى تطرقهم إلى مسألة الاستيطان في الضفة الغربية. كما أعلن دان مريدور نائب نتنياهو، في حينه، إن «نظيف من اليهود» هو المصطلح الذي كان يستخدم ذات يوم في دول أخرى، مشيرا إلى ألمانيا النازية.

عمرو موسى، رد على تلك المواقف بقوله إن «إسرائيل تمضى قدماً فى تنفيذ مخططها فى القضاء على فرص السلام المتوازن، بالإمعان فى تهويد القدس واستيطان الأرض وفرض المزيد من القيود على المسجد الأقصى، ووصل الأمر بهم إلى أن غزوا المسجد بمجموعات من السوقة والدهماء.

بالإضافة إلى ادعائهم ملكية إرث ديني، لهدف سياسى هو تأكيد بقاء الاحتلال في قلب الوطن العربى»، وطالب موسى ـ وهذا الأهم ـ بوقفة حاسمة ضد سياسة الاستيطان والتهويد في الأراضي العربية المحتلة.

واقع الحال العربي يبدو، مع بالغ الأسف والأسى، مفككا مترنحا، ليس للعرب فيه أي وزن أو تأثير. ورغم ذلك، ما زلنا نطمح في أن نرى ذات فجر غضباً عربياً حقيقياً، وليس ضبطا خياليا للنفس إزاء ما يجري هناك.. نطمح في أن نرى العرب يتفقون على «جملة عربية واحدة مفيدة»!

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com