في يوم المرأة العالمي، كل عام، تُثار مجدداً قضيتها؛ حريتها وحقوقها، بتسليط الضوء على الوضع الذي لا تزال تواجهه النساء من التمييز والاضطهاد والعنف، بالرغم مما تحقق من إنجازات قانونية أو مجتمعية أو سياسية.

الأمر الذي يجعل بعض النساء العربيات يستقبلن يومهن في مئويته، بشيء من الحذر والتشاؤم. ولا عجب؛ فالمرأة في العالم العربي تعود إلى الحجاب الكامل (البرقع) بعد مئة عام من التحرر.

ولو توقفنا عند مستوى الأسرة، التي هي الخلية والنواة في الاجتماع البشري، نجد أن الوضع اليوم ليس على ما يرام بين الشريكين - الزوجين، لا عندنا ولا عند غيرنا. فالعنف يتصاعد على المسرح الزوجي، سواء بشكله الجسدي أو بأشكاله الرمزية. هذا ما يحصل في غير دولة أوروبية، وخاصة في فرنسا.

حيث تفاقم الوضع وبات لا يطاق، على ما تشير الإحصاءات منذ سنوات. فهناك امرأة تقتل كل ثلاثة أيام على يد شريكها. وفي عام 2008، قضت 157 امرأة للسبب نفسه. هذا فضلاً عن العنف الكلامي والنفسي الذي يمارس على نطاق واسع.

هذا الوضع الخطير استدعى التدخل والمعالجة من قبل السلطات، بسن قانون يشدد العقوبة ويضاعف الغرامة على الرجل الذي يعتدي على شريكته. وقد يعجب المرء كيف يحصل هذا في بلد أوروبي هو ثمرة عصر الأنوار، كما هو حصيلة ثورة عالمية كان شعارها المثلث هو الحرية والإخاء والمساواة!

ولكن لا شيء يكتسب بصورة نهائية، لأن المجتمعات تنتج دوماً ما هو مضاد للقوانين والأنظمة التي تنص على المساواة. فالمجتمع هو في النهاية ارتكاباته وانتهاكاته أو فضائحه، مما يخلق دوماً فجوة بين التشريعات المساواتية والممارسات المجتمعية.

وهكذا فالمسألة أكثر تعقيداً مما نحسب. فالرجل الغربي الذي جرى ترويضه حضارياً، لم يقتنع بعد أو يستسلم لمقولة ان المرأة ندّ له. ولا عجب، فوراء الرجل تاريخ طويل، بيولوجي ومجتمعي وثقافي، من الهيمنة الذكورية المستدامة والراسخة.

وبالمقارنة مع الماضي، يمكن القول ان العنف الذي يمارس اليوم ضد المرأة الغربية، هو أوسع وأشرس مما كان يحصل قبل عقود. وهذه من المفارقات؛ ذلك أن المرأة المعاصرة قد اكتسبت، بفعل موجات التحرر النسوي المتلاحقة، وعياً جديداً بوصفها مساوية للرجل.

وقد خرجت إلى العمل على قدم المساواة معه، فأثبتت جدارتها بوصفها مكافئة له في مختلف الحقول، بما فيها القضاء والسياسة. ولذا تكفي نظرة لوم منه، حتى تشعر بأن ذلك هو بمثابة عنف يمارس ضدها.

وبالمقارنة مع العالم العربي، من الملاحظ أيضاً أن العنف ضد النساء أقل حجماً مما يحدث في المجتمعات الغربية. ذلك أن المرأة العربية، الحديثة أو المعاصرة، وإن أصبحت مساوية للرجل في الأعمال والوظائف، إلا أنها لا تزال تتعامل مع نفسها بوصفها تابعة للرجل ولا تتقدم عليه.

من المؤكد أن هناك استثناء تمثله النساء اللواتي كسرن المنطق الذكوري السائد، ولكن الثمن هو زعزعة المؤسسة الزوجية، وتحويلها إلى مسرح للنزاع الدائم والحرب الباردة التي تنتظر ساعة الانفجار.

في أي حال، إن الثقافة المسيطرة في المجتمعات العربية، ببداهاتها ومحرماتها وصورها، هي ثقافة معادية للمرأة بقدر ما تنتقص من قدرها وكينونتها. صحيح أن بعض الدساتير العربية لا يميّز بين المرأة والرجل.

ولكن مفاعيلها هشة إزاء تراث من المعتقدات الدينية والاجتهادات الفقهية والقيَم والعادات الأخلاقية التي تؤكد على سيادة الرجل وقيمومته، أو على دونية المرأة بوصفها ناقصة عقل أو حظ أو إيمان. ولكن الرجل لا يحسن سوى نقض حجته؛ فهو يدعي أنه يخشى على المرأة، فيما الحقيقة أنه يخشى منها، لأنها في رأيه تغلب الغريزة على العقل.

هذا بالنسبة للرجل الذي يرى المرأة بمخيال تراثي ديني، فيصفها مرة بكونها «جوهرة» ينبغي صونها والحفاظ عليها، وأخرى بكونها «عورة» ينبغي حجبها وسترها. أما الرجل الحداثي فليس أفضل، إذ لم تروضه المساواة الحداثية، ولا يزال يتصرف بمخيال ذكوري سلطوي. نعم، هو يدعو إلى تحرير المرأة.

ولكنه يريد الحرية لكل النساء، إلا زوجته التي لا يطيق أن تكون حرة أو مساوية، فكيف إذا أصبحت تتميّز عنه، كما هو شأن النساء المشهورات أو الكاتبات؟! هنا تنقلب الآية ويصبح الرجل هو المقهور، خاصة إذا كان يعيش في مجتمع محافظ تسيطر عليه النماذج الذكورية للفحولة والرجولة، الأمر الذي يحيل حياته الزوجية إلى جحيم لا يطاق.

ولعل هذا مصدر فشل الزيجات الحديثة، قياساً على الزيجات التقليدية، حيث كانت المرأة مقتنعة بدورها وبأنها تابعة أو خاضعة للرجل. وهذا يشهد على إخفاق حركات التحرر النسوي، الذي هو وجه للإخفاق الذي آلت إليه حركات التحرر الوطني، السياسي والاجتماعي.

إذ كلها ترجمت شعاراتها بأضدادها، بقدر ما تعاطت معها بعقل أحادي، إلغائي، أو عدواني. فالنضال الاجتماعي كان يرمي إلى إخضاع أو إلغاء طبقة أو شريحة، لتحل محلها أخرى تمارس استبداداً مضاعفاً، كما أن تحرير المرأة قد خيض بعصبوية نسوية ضد الرجل، وكانت الثمرة عنفاً ضد المرأة أو تفككاً لنسيج المجتمع العائلي.

ولكن الأزمة لا تعني العودة إلى الوراء لاستعادة ما استهلك أو ما أثبت فشله. فما ينفجر ويتحول داخل المؤسسة الزوجية، لا سبيل إلى معالجته بالأطياف الذكورية للمجتمعات التقليدية، ولا بالتهويمات الأيديولوجية للحركات النسوية.

إنه تحوّل يفتح الإمكان لنشوء علاقات جديدة ومختلفة بين المرأة والرجل، تتغيّر معها صورة كل منهما عن ذاته وعن شريكه، بحيث يعامل كل منهما الآخر بوصفه مساهماً في صناعة الحياة، بقدر ما هو مبتكر ومنتج أو مسؤول وفاعل.

وهكذا لا قوام لأحدهما دون الآخر، بل كل واحد يستدعي سواه، ويغتني به، يسهم في تغييره أو تحويله وتحريره، بقدر ما ينجح هو نفسه في أن يتغيّر ويتحوّل ويتحرر. فحياة الشراكة وحيويتها أن يشعر كل واحد بفاعليته وجدواه، وبأنه معترف به من الطرف الآخر، بقدر ما يقوم بعمل منتج لا غنى عنه، وبقدر ما يسهم في توسيع إمكانات العمل المشترك، تربية ونماء وازدهاراً.

وهذا يتطلب إعادة النظر في مفهوم الحرية بالذات. فهي ليست أقنوماً نتعبّد له، ولا هي شيء ننتزعه من الغير لحسابنا. وإنما هي صناعة مشتركة، بقدر ما هي عمل تحويلي خلاق على الذات، لتفكيك بنى ومفاهيم وشبكات تنتج علاقات التسلط والقهر أو التخلف والعجز.. بهذا المعنى، فالتحرر ليس هو تحرر المرأة ضدّ الرجل، بل تحررهما معاً، كما يقضي منطق المودة والمساكنة والشراكة.

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb