أيًّا كانت العقوبة التي ستطبق على المراهقين الذين اعتدوا على الفتى المواطن «علي محمد حسين» ذي الثلاثة عشر ربيعا، وأزهقوا روحه بعد أن سددوا إلى جسده إحدى عشرة طعنة بالسكاكين، وأيًّا كانت الإجراءات التي ستتخذها الشرطة للحد من مثل هذه الحوادث في المستقبل، فإن هذه الجريمة يجب أن لا تمر مرور الكرام.

لا من حيث العقوبات ولا الإجراءات، وإنما من حيث بحث الأسباب والدوافع التي أدت إلى هذه النتيجة، ومن حيث العوامل التي جعلت قلوب فتية صغار في سن المراهقة، تمتلئ بكل هذا الحقد والرغبة في الانتقام.

مهما كانت درجة الخلاف بينهم وبين المستهدَف من هذه العملية، التي ذهب ضحيتها الفتى «علي» الذي لم يكن طرفاً أصلاً في قضية هذه المعركة، التي نعتقد أن الجميع خرجوا منها مهزومين.

ومع احترامنا لكل الذين طالبوا السلطات التشريعية بتغيير قوانين الأحداث، نقول: إن دور هذه القوانين يأتي بعد أن تكون الجريمة قد وقعت وقُضي الأمر. ومع احترامنا لكل الذين طالبوا أجهزة الأمن بمنع بيع السكاكين والأسلحة البيضاء للصغار، نقول: وما الذي يمنع حدثا منحرف السلوك من تناول سكين من مطبخ بيت أسرته، في غفلة منهم، والخروج إلى الشارع لإزهاق روح بريئة؟

نحن نحترم دور المشرعين والسلطات القضائية ولا نقلل منه، كما أننا نحترم دور رجال الأمن ونعتقد أنه مهم وحيوي للحد من الجريمة بكافة أشكالها، ولا ندعو إطلاقا لتنحية أيٍّ منهما عن القضية.

لكننا نطالب بتفعيل دور جهات ومؤسسات مهمة، نلاحظ أنها تتعامل مع القضية وكأنها طرف محايد لا علاقة له بالموضوع، طالما أن الجريمة وقعت خارج أسوارها؛ ومنها البيت والمدرسة ومؤسسات المجتمع الأخرى.

التي يجب أن تُخضِع جريمة قتل «علي» للبحث والتمحيص والدراسة، للوصول إلى الأسباب التي أدت إلى وقوعها، سعيا إلى منع جرائم كثيرة ربما تكون أكثر شناعة منها، ستُرتكَب في المستقبل إذا لم نُوْلِ هذه القضية الاهتمام الذي تستحقه، قبل أن يطوي النسيان هذه الجريمة كما حدث مع قضايا كثيرة غيرها.

لنستفيق على جريمة أخرى فنعيد اجترار آلامنا واستنساخ ما قلناه عندما كنا نتابع جريمة مقتل «علي» على يد فتية صغار اجتمعوا في الزمان والمكان الخطأ، كي يتفقوا على الفعل والتصرف الخطأ، لينفذوا هذه الجريمة التي لن تغدو بعد اليوم دخيلة على مجتمعنا إذا عالجناها العلاج الخطأ واكتفينا بالعقوبة، دون أن نغوص في عمق المشكلة لنبحث عن الأسباب كي نجتثها من جذورها.

ونخلّص مجتمعنا من الأمراض والعلل التي تسللت إليه ونحن غافلون عنها، منشغلون بأعمالنا، لاهثون خلف القشور، مخدوعون بالمظاهر، في الوقت الذي تعمل فيه معاول على هدم شخصيات أبنائنا وتدميرهم من الداخل، وتحويلهم إلى مشاريع مجرمين لا يتورعون عن الإقدام على أي فعل، حتى لو كان فيه ارتكاب جريمة وإزهاق روح، غير عابئين بالعواقب التي ستدمر مستقبلهم.

نطالب الأطباء النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين، بالغوص في نفسيات هؤلاء الفتية الذين أقدموا على ارتكاب هذه الجريمة، والبحث عن جذور هذا الانحراف الذي تطور ليصل إلى مرحلة التفكير والتخطيط، لارتكاب جريمة على هذه الدرجة من الشناعة بدافع الانتقام.

كما نطلب منهم أن يقدّموا لنا تفسيرا لإصرار هؤلاء الصبية على المضي في ارتكاب جريمتهم وإعمال سكاكينهم في جسد الفتى البريء، رغم الدماء التي كانت تتدفق منه بغزارة، وكأنهم مجرمون محترفون، فمن أي صخر قُدّت قلوب هؤلاء الصبية، الذين تتفتح أعينهم بالكاد على الحياة، وهم يرتكبون هذه الجريمة؟

نطالب الآباء والأمهات بأن يفتشوا حقائب وأدراج وخزائن غرف نوم أبنائهم، بحثا عن سيديهات البلاي ستيشن والألعاب الأخرى التي يمارسونها، كما نطالبهم بأن يفتشوا أجهزة حواسيب أطفالهم، بحثا عن مواقع الألعاب التي يشتركون فيها عبر الإنترنت، ونوعية الأفلام التي يقومون بتنزيلها من المواقع الأجنبية مباشرة ويشاهدونها دون رقابة من أحد.

فربما وجدوا في كمية الدماء التي تسيل فيها، ومقدار العنف الذي تزخر به، وعمليات الضرب والقتل التي يمارسونها من خلالها، تفسيرا لهذا الذي أصبحنا نشاهده ونسمع عنه، من قِبَل فتية صغار أصبحت هذه الألعاب والأفلام هي التي تربيهم قبل البيت والمدرسة.

نطالب المدرسة بأن تعود إلى ممارسة دورها في التربية قبل التعليم، بدلا من أن نخسر الاثنين معا. فقد ورد على لسان أحد أصدقاء الضحية وأقاربه، أن المراهقين الذين أقدموا على قتل «علي» مشهورون باصطحابهم بعض الأسلحة البيضاء إلى المدرسة، وأن هناك بعض المدرسين الذين يخافون من توقيع العقوبة عليهم تجنبا لأي اعتداءات من طرفهم.

فأي مدرسة هذه التي يحمل فيها الطلبة أسلحة بيضاء؟ وأي مدرسين هؤلاء الذين يخافون من طلبتهم؟ وأي إدارة هذه التي إن لم تكن تدري عن هذه الممارسات فتلك مصيبة، وإن كانت تدري وتسكت فالمصيبة أعظم؟

لسنا بحاجة إلى مجتمعات ومدن عصرية يجري الرجال والنساء فيها من أجل لقمة العيش معظم ساعات الليل والنهار، بينما يضيع الأبناء ويتحولون إلى مجرمين أو ضحايا، وفي قصة «علي» والفتية الذين أزهقوا روحه دون ذنب جناه، خير عظة وعبرة لنا إذا أردنا الحقيقة وتخلينا عن عادة دفن رؤوسنا في الرمال حتى تمر العاصفة وتهدأ الأحوال.

aliobaid2000@hotmail.com