كلمتان تتلازمان في العملية التربوية تلازم الروح والجسد، فكل منهما تكمل الأخرى وفق آلية تداولية، حيث لا يمكننا أن ننشد مجتمعاً سليماً من الآثام والشرور، دون تنويع في استخدام أشكال الثواب والعقاب.
متبصرين الطرق السليمة النافعة لتفعيل كل منهما، مع التركيز على تقديم الثواب على العقاب، لا كما يفعل أولئك الذين يلوحون باستخدام سياسة العصا والجزرة فيقدمون العقاب على الثواب!
والثواب يكون على ثلاث منازل؛ رضا بالقلب، وشكر باللسان، ومكافأة بالفعل. وقد أثبتت الدراسات التربوية والنفسية أن الثواب أبقى وأنفع في النفس من العقاب. وعلينا أن نراعي ونحن نطبق مبدأ العقاب، ألا نفرط في اتخاذ أساليب العقاب؛ لأن ذلك يوجب نتائج عكسية ترتد سلباً على الفرد والمجتمع.
وقد نبه ابن خلدون إلى خطورة الإفراط في استعمال الشدة في التربية، فقال: «من كان مَرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به إلى القهر، وضيق عن النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل، وحمله إلى الكذب خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلّمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقاً».
ولا يعني بحال من الأحوال أن نفرط في الثواب متجاهلين العقاب، فلا التفريط مجد ولا الإفراط نافع في هذه القضية، بل لا بد من أن نوازن بين الأمرين وفق ما تقتضيه المصلحة.
إن مبدأ الثواب والعقاب، إنما يستخدم لترسيخ القيم الإنسانية النبيلة، أو لإحلال قيم جديدة محل قيم أخرى غير مرغوب فيها. وقد شبه أحد أساتذة علم النفس عملية غرس القيم بعملية الزراعة تماماً، فالزراعة المثمرة المباركة تتأثر بنوع البذرة وهي التي نطلق عليها القيمة، والأرض الخصبة هي الفرد حامل القيمة.
والموسم الزراعي المناسب لنوع البذرة، هو السن المناسبة لغرس القيمة، ومهارة الفلاح هي قدرة المربي على زرع القيمة، أما جودة الأساليب الزراعية فهي مناسبة الأساليب التربوية للحال، واستخدام آلات زراعية حديثة هي وسائل غرس القيم. أما إن تركت الأرض الخصبة دون أن تزرع ولم تتوافر لها مقومات الاستصلاح.
أتتها الرياح اللواقح الغريبة فتثمر نباتات مجهولة، متناثرة تظل في الأرض تأكل خيرها أو تأكلها البهائم أو تيبس فتذروها الرياح. وإن الابن في مقتبل عمره إن لم يجد مربياً حصيفاً وقيماً سامية وأساليب تربوية ووسائل مناسبة في الوقت المناسب، تنازعته الأهواء وعصفت به رياح السموم فيسقط في الهاوية، وحينها يكون قد سبق السيف العذل.
إن الإنسان لا يولد لصاً ولا مجرماً ولا قاطع طريق، وإنما كما قال صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصّرانه أو يُمجِّسانه».
لذلك فإن التربية القائمة على ثنائية الثواب والعقاب تبدأ من البيت، فالآباء والأمهات يتمتعون بالقدرة التنفيذية لدى الأبناء، وهم مسؤولون بالدرجة الأولى عن تربية أبنائهم، وهم من يرسمون خيوط مستقبل فلذات أكبادهم، فمن شب على شيء شاب عليه.
ويأتي بعد ذلك دور المدرسة والمجتمع، الشركاء الفاعلين في العملية التربوية، لتكتمل المنظومة التربوية المبنية على ثنائية الثواب والعقاب، لجيل يتمتع بكل مقومات الإنتاج والعمل المتقن، تحت سقف انتمائه وحبه لوطنه.
ولا بد، ونحن نتكلم عن الثواب والعقاب، من وجود القدوة الحسنة لأبنائنا. والقدوة لا تكون بالأقوال بمعزل عن الأفعال، بل لا بد من أن يقترن القول النافع بالعمل الصالح، والقدوة ليست حصراً على شخص محدد ـ وإن كان الأولى أن يكون أقرب الناس ـ ولا على مكان بعينه، فيمكن أن تكون القدوة في المنزل أو المدرسة أو المجتمع بكل أطيافه الصالحة.
فمسألة التأثير والتأثر حاضرة في حياة أبنائنا، فهم جزء من النسيج الاجتماعي، وعند غياب القدوة الحسنة فإننا نتوقع أسوأ الاحتمالات ونتحمل أقسى النتائج، وما حادثة الراشدية عنا ببعيد.. فهل وجد أولئك الفتية قدوتهم الحسنة في حياتهم؟ ومن الملوم عما حدث؟ وأين تتجه أصابع الاتهام؟
إننا في هذه الحادثة المأساوية قد فقدنا المجني عليه، رحمة الله عليه، ولكننا كذلك فقدنا الجاني أيضاً الذي هو الآخر من أبناء هذا الوطن، وهو الآن ينتظر كلمة القضاء فيه، إما بالإعدام أو بالسجن المؤبد كما ينص قانون الجنايات في الدولة.
والأمران سيان؛ فهي نهاية لحياة شاب كان يمكن أن يكون في يوم من الأيام أحد الأبناء البارين في هذا البلد الطيب. وقد لا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لباقي المشتركين في الجريمة، فشبح المجهول يحيط بأعناقهم يوشك أن يلفظ أنفاسهم.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هنا؛ من قتل علياً؟ هل هو ذلك الشاب الذي ألقي القبض عليه أم من؟ ذلك الشاب لم يولد مجرماً، ولكنه رضع الجرم من مكان ما فسرى في دمائه، فتحول في لحظة غضب إلى وحش بشري، فلم يدم الأمر سوى دقائق معدودة ليكتب نهاية بشعة للمجني عليه والجاني كذلك. فهل أحسنا اختيار القدوة لأبنائنا؟ وهل مارسنا حقنا الشرعي في تنشئتهم وفق ثنائية الثواب والعقاب؟!
كاتب إماراتي