الدفع بعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو الشغل الشاغل للمجتمع الدولي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وهو المحور الأساسي الذي ما زال الجميع غير قادر على أن يؤسس له بعد.

البعض يلقي اللوم على الإسرائيليين وحكومة نتنياهو المتشددة في مواقفها لاسيما فيما يتعلق ببناء المزيد من المستوطنات الغير شرعية في الأراضي الفلسطينية والبعض يلوم السلطة الفلسطينية لعدم استعدادها تجاوز موضوع المستوطنات نحو تحقيق الهدف الأكبر وهو البدء في المفاوضات بين الطرفين تمهيداً للوصول إلى اتفاق سلام بينهم.

وبين هذا الموقف وذاك تقف القضية الفلسطينية عالقة وغير قادرة على تحقيق أي اختراق.

الحقيقة هي أن اللوم لا يمكن أن يلقى على عاتق السلطة الفلسطينية التي أصبحت في موقف داخلي غير قادر على القبول بعروض غير جدية في الوقت الذي تعمل فيه إسرائيل على التشدد في التعامل معه وعدم التقيد بالالتزامات الدولية التي وضعتها لها خارطة الطريق والتزامات الرباعية الدولية.

الفلسطينيون بحاجة إلى ضمانات دولية تشير بصراحة إلى أن أي مفاوضات سلام مع الإسرائيليين ستؤدي في النهاية إلى تحقيق اتفاق سلام نهائي، غير هذا لا يمكن لعملية السلام أن تمضي لاسيما وأن الخبرة التاريخية لا تسيير في صالح الفلسطينيين.

حيث أن اتفاق مدريد لعام 1991 وأنابوليس لعام 2007 لم يقدم سوى وعود كانت نهايتها عدم التوصل إلى حل نهائي وسلام نهائي بين الطرفين.

فما الذي سيجعل السلطة الفلسطينية تتحمس لمفاوضات جديدة وهي تعلم بأن مصير أية مفاوضات لن يكون بعيداً عن مصير سابقاتها؟!

إنه المجتمع الدولي الذي يجب أن يتحرك من جديد لضمان مفاوضات تؤدي لتحقيق اتفاق سلام بين الطرفين؛ وإن أردنا أن نكون أكثر دقة فإنه على الولايات المتحدة أن تتحرك في هذا المجال .

حيث أنها هي التي يقع على عاتقها الحمل الأكبر في هذه المسألة لأنها هي الطرف التي وضعت على عاتقها مسئولية حماية أمن إسرائيل ودعمها أكثر من أي طرف أخر وهي الدولة التي يجب أن تتحرك لتقديم مثل تلك الضمانات للفلسطينيين.

الرئيس أوباما الذي جاء بوعود الاهتمام بالقضية الفلسطينية أصبح عليه مسئولية إيجاد ضمانات للفلسطينيين لدخول مفاوضات تؤدي لتحقيق اتفاق سلام نهائي بين الطرفين. الواضح أن أوباما كان مهتماً .

ولكن الخط العام الذي أصبحت إدارته تسير عليه للتعامل مع القضية الفلسطينية أصبح أكثر تأثراً أو أصبح يواجه تعنت إسرائيلي من قبل حكومة نتنياهو المتشددة الأمر الذي جعل الرئيس الأمريكي يميل إلى الخط الذي وضعه مبعوثه الخاص السناتور جورج ميتشل للقضية الفلسطينية والقائم على الاعتماد على أسلوب النفس الطويل والقبول بضرورة أن يحل الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي مشاكلهم.

فيما بينهم وأن لا تتدخل الولايات المتحدة قبل أن يجلس الطرفان مع بعضهما البعض ومحاولة حل مشاكلهم العالقة وربما التدخل في مراحل المفاوضات عندما ترى ضرورة لذلك.

لذلك نجد أن الرئيس أوباما لم يدفع بشكل قوي نحو وضع خطة أو تصور للقضية الفلسطينية رغم أن الكثيرين كانوا يتوقعون منه مثل هذا الأمر مع بداية توليه إدارة الحكم في الولايات المتحدة إلا أن تأثير جورج ميتشل كان واضحاً في ضرورة الاعتماد على الطرفين أنفسهم في حل خلافاتهم من دون أن تفرض الولايات المتحدة على الطرفين خطة معينة.

ورغم أن المبعوث الأميركي الخاص متأثر بشكل كبير بنجاحه في حل المشكلة الايرلندية الشمالية التي اعتمد من خلالها على أسلوب النفس الطويل إلا أن الوضع في فلسطين قائم على طرفين إحداهما مستعد للتفاوض وهو الطرف الفلسطيني والثاني غير راغب على الإطلاق بل نجده يحاول فرض أجندته على الطاولة لبدء الحوار وهو الطرف الإسرائيلي.

فإذا كان ميتشل مدركاً لأهمية التحول التدريجي والبطيء فإن عليه أن يفرض نوعا من الضغط على حكومة نتنياهو الرافضة الجلوس مع الفلسطينيين إلا بشروطها هي.

فالذهاب إلى مفاوضات مع طرف راض بالمفاوضات وهم الفلسطينيون وطرف آخر يضع شروطه للمفاوضات لن تؤدي إلا لضياع الوقت أمام الفلسطينيين الذين لن يحصلوا إلا على أقل من ما كان سيمنح لهم.

إنها مسئولية الولايات المتحدة وليس غيرها لوضع ضمانات للفلسطينيين بأن تفاوضهم مع الإسرائيليين سيكون ذا جدوى وسيؤدي في النهاية إلى سلام واتفاق نهائي ولن يكون كما كان عليه مدريد وأنابوليس مجرد شعارات ووعود.

وهذا بالطبع لا يمكن أن يتحقق هكذا من دون التزام دولي تقوده الولايات المتحدة وإلى درجة الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة اللتين وللأسف الشديد تم تهميشهما من قبل الولايات المتحدة ومن قبل أنفسهم عندما شاركوا في عضوية الرباعية الدولية التي لم تحقق شيئا يذكر في مسار القضية الفلسطينية بل أنها أضرت بمواقفها.

حيث أصبحت أكثر تطرفاً وميلاً للخط الأمريكي الإسرائيلي عن خط الحياد الذي كان يمكن أن تلعبه لو لم تدخل في عضوية الرباعية.

هذه الأطراف عليها أن تعلن صراحة بأن قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وقابلة للحياة وعاصمتها القدس الشرقية هو هدف من أهدافها الأساسية خلال فترة زمنية محددة.

وأنها يجب خلال هذه الفترة أن تعمل على تحقيق هذا الهدف، وأن فشلها في ذلك سيعرض المسئولين عن الإخفاق للمساءلة القانونية الدولية. مثل هذه الضمانات ستكون كفيلة بجعل الفلسطينيين والإسرائيليين يعملون بشكل إيجابي في هذا المجال.

أما ترك الأمر دون مساءلة يجعل الطرف الإسرائيلي يتمادى كيفما شاء حتى انه أصبح اليوم ينادي بفكرة عدم قبوله بحل الدولتين، وهذا أمر خطير للغاية .

حيث أنه يهدف من وراء ذلك صياغة رؤية جديدة مفادها لا دولتين ولا دولة واحدة يكون فيها الفلسطينيون على قدم المساواة مع اليهود وإنما دولة واحدة يهودية مقابل تولي الأردن ومصر مسئولية شعب فلسطيني وبعض أراضي الضفة والقطاع.

إنها مسئولية الولايات المتحدة بل والرئيس الأمريكي خاصة الذي أصبح مطلوباً منه أن يتحول من أوباما المتخوف من ردة فعل اليهود إلى أيزنهاور الذي وقف في وجه إسرائيل واليهود عندما انتقد إسرائيل والعدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 وضغط على إسرائيل نحو الرضوخ للانسحاب من الأراضي المصرية.

فكما كانت مصلحة الولايات المتحدة في عدم خسارة مصر والدول العربية في ذلك الوقت فإنه من الواجب أيضاً أن تدرك واشنطن بأن خسارة العرب في الوقت الحالي هي أخطر وأكبر وقعاً على مصالح أميركا.

جامعة الامارات

binhuwaidin@hotmail.com