متى تنسحب القوات الأجنبية من أفغانستان؟ سؤال تصعب الإجابة عنه إلى حد كبير، بل يصعب حتى الجزم بأن هذا الانسحاب سيكون أو لن يكون، والحجة قائمة ومستمرة، ويرددها الأميركيون دائماً، وهي أن الانسحاب في وجود طالبان بقوتها الحالية سوف يعني عودة أفغانستان لتصدير الإرهاب إلى العالم.

الحقيقة التي يعرفها خبراء الاستراتيجية هي أن الأميركيين لا يريدون مغادرة أفغانستان على الإطلاق، وذلك ليس بهدف محاربة الإرهاب، ولكن لأهداف أخرى لديهم تتصل باستراتجيات أميركية في القارة الآسيوية أكبر من أفغانستان بكثير، والتقارير حول هذا الشأن موجودة في أدراج البنتاجون الأميركي حتى من قبل أحداث سبتمبر عام 2001.

إذا كانت هذه استراتيجيات واشنطن، فما ذنب الدول الأخرى الأوروبية وغيرها المتورطة في التواجد العسكري في أفغانستان بلا أية فائدة؟

نلاحظ أن معظم الدول المشاركة في القوات الأجنبية المتواجدة في أفغانستان أعلنت أنها ستسحب قواتها من هناك، وكثير منهم حدد موعد هذا الانسحاب، وحتى بريطانيا الحليف الأول لواشنطن أعلنت هي أيضا ذلك.

كما قال قائد القوات البرية البريطانية الجنرال دافيد ريتشاردس لصحيفة «ديلي تلغراف»، إن النزاع العسكري في أفغانستان سوف يتلاشى تلقائيا نحو عام 2011، وذكر أن سحب القوات البريطانية من أفغانستان سيبدأ في السنة القادمة.

ولكن الخبراء الاستراتيجيين الروس يقولون إن العسكريين في بلدان حلف الناتو دائما يتنبؤون بانتهاء النزاع الأفغاني في أقرب وقت. ولا تتحقق تنبؤاتهم دائما.

ولكن الأمور طالت كثيرا هناك، وبمرور الوقت تزيد المشاكل والتعقيدات ولا تحدث أية نتائج إيجابية، والائتلاف الغربي بأمس الحاجة إلى حسم الأمور هناك بشكل نهائي، والسبب هو أن البلدان الأوروبية المنتمية إلى الائتلاف تعبت كثيرا من العملية العسكرية في أفغانستان.

والحكومات في هذه البلدان أصبحت تواجه اعتراضات حادة من شعوبها بسبب استمرار جنودها في أفغانستان، ولا تنوي برلماناتها الوطنية إطالة أمدها، ولا ترى هذه البلدان مبررا للاستمرار في حرب لا فائدة من ورائها، فقط لمجرد أن الولايات المتحدة خائفة من الإرهاب، وهذا الأمر في حد ذاته لم يعد يقنع الغالبية من دول العالم بعد نحو تسع سنوات من أحداث سبتمبر عام 2001 التي مازال الغموض يكتنفها.

مما يزعج الولايات المتحدة هو أن برلمانات بريطانيا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وإسبانيا ؟ أي حليفاتها الرئيسية تعترض على مواصلة الحرب في أفغانستان. كما أن كندا رفضت زيادة تعداد قواتها المتواجدة فيها.

ويتوقع أن يحذو حذوها كل من إسبانيا وإيطاليا. أما ما يخص ألمانيا وفرنسا فإنهما توافقان على زيادة ضئيلة لعدد أفراد قواتهما. وفي هولندا بدأت الأزمة الحكومية إثر طرح مسألة تمديد تواجد قواتها في أفغانستان على بساط بحث البرلمان. وحتى شهر أغسطس الماضي عاشت هولندا بلا حكومة بسبب هذه الأزمة.

أما تركيا التي تشغل قواتها المرتبة الأولى في الناتو من حيث تعدادها بعد الولايات المتحدة فإن موقفها متميز نوعا ما، إذ إنها تمتنع عن المشاركة في بحث مسألة تمديد تواجد القوات الأطلسية في أفغانستان، وترفض في نفس الوقت قطعيا خوض أعمال القتال في هذا البلد.

ونرى أن رئيس الحكومة البريطانية غوردون براون وجد نفسه في وضع حرج جدا، لكونه وعد بإعادة الجنود البريطانيين إلى الوطن في أسرع وقت..

ويدل كل ما قيل على أنه من الضروري حل المشكلة الأفغانية بأسرع ما يمكن. ويبدو أن العملية التي تجريها الآن القوات الدولية بالتعاون مع الجيش الوطني الأفغاني تتوخى هذا الهدف بالذات.

وسمعنا الجنرال البريطاني ديفيد ريتشاردس يقول: «تضطر حركة طالبان إلى التصدي لهجوم قواتنا باستمرار. وهي تفكر الآن في جدوى مواصلة القتال. ونحن لا نشك في أننا سنتغلب عليها»، ولكن لم يعد أحد يصدق هذه المقولاتوالتصريحات التي تستهدف الأوروبيين أساسا. وكأن الجنرال يقول لهم: اصبروا قليلا. ونحن سننتصر نهائيا.

ونسمع أن قوات الائتلاف تستعد لشن الهجوم على قندهار. ومعروف أن من يسيطر على قندهار يستطيع الإمساك بزمام الأمور في أفغانستان إلى حد كبير، فهل سينجحون في ذلك؟

غالب الظن أنه حتى الرغبة في هذا النجاح غير متوافرة لدى الأميركان.

كاتبة روسية

jannamarat@km.ru