قبل سفره لألمانيا ببضعة أيام، وقبل الإعلان بأن الرحلة ستشمل فحوصاً طبية، ثم الإعلان عن الجراحة التي أجريت بنجاح، ذهب الرئيس مبارك في زيارة لإحدى محافظات صعيد مصر، وكان لافتاً أن يلقي هناك خطاباً اعتبره الكثيرون من أقطاب الحزب الوطني الحاكم إعلاناً بالترشيح في انتخابات الرئاسة القادمة المقرر إجراؤها في العام المقبل.
كان ذلك في أعقاب الضجة التي صاحبت عودة الدكتور البرادعي الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة النووية لمصر، وإعلانه عن استعداده للترشح للرئاسة إذا تمت تعديلات دستورية تمكنه من ذلك وتوفرت ضمانات بنزاهة الانتخابات..
ومع اختلاف المواقف من إعلان البرادعي إلا أن المؤكد أنه ألقى حجراً في البحيرة الراكدة للحياة السياسية في مصر، وأثار جدلاً أفاد الحراك السياسي الذي كان قد تراجع كثيراً.
وكما تعمد الرئيس المصري قبل سفره في رحلة العلاج أن يعطي الإشارات على استعداده للانتخابات الرئاسية القادمة (ربما لتهدئة المخاوف من التوريث في هذه الظروف) فإنه حرص أيضا على إعطاء رسالة أخرى من ألمانيا، قبل خضوعه للجراحة بساعات، حين رد على أسئلة الصحافيين بالترحيب بمشاركة الدكتور البرادعي في أي انتخابات قادمة، ما دام ذلك يتم في ظل أحكام الدستور والقوانين..
وهو ما اعتبر إشارة أخرى إلى عدم وجود أي نية لإجراء تعديلات دستورية قبل الانتخابات الرئاسية القادمة.
ولا أظن أن الخطاب (في المناسبتين ) كان خاصاً بالبرادعي في الأساس، بل كان للقوى المؤثرة في القرار داخل مصر في هذه اللحظة.. بالتأكيد لها بأن الأمور مستقرة، والرئيس باقٍ في موقعه رغم المتاعب الصحية، وقواعد اللعبة لن تتغير في هذه المرحلة.
هكذا داخل الرئيس غرفة العمليات في المستشفى بألمانيا بعد أن وقع قراراً بنقل سلطاته مؤقتاً لرئيس الوزراء الدكتور احمد نظيف. وهذه هي المرة الثانية لمثل هذا الإجراء، وكانت المرة الأولى في يونيو عام 2004 حين فوض سلطاته لرئيس الوزراء السابق الدكتور عاطف عبيد.
والفارق أنه في هذه المرة يستند إلى نص دستوري واضح بعد أن تم تعديل المادة 82 من الدستور في استفتاء عام 2005 لتنص على نقل السلطات في هذه الحالة إلى نائب رئيس الجمهورية، فإذا لم يوجد نائب للرئيس تنقل السلطات لرئيس الوزراء.
أما قبل التعديل فكان الدستور يقتصر على نقل السلطة إلى نائب الرئيس وهو موقع لم يشغله احد منذ تولي الرئيس مبارك الحكم. وكان الحل الدستوري يومها هو نقل السلطة للدكتور عاطف عبيد بوصفه نائباً للحاكم العسكري في ظل حالة الطوارئ المطبقة. ويومها تجدد الحديث عن ضرورة تعيين نائب للرئيس.
ولكن الحل جاء بالتعديل الدستوري الذي يعالج حالة الفراغ في مثل هذه الحالات عن طريق رئيس الوزراء، وإن كان الاعتراض مازال قائماً، حيث ان رئيس الوزراء ليس منتخباً بل يقوم رئيس الجمهورية بتعيينه، كما أنه ؟
بحكم سلطاته المحدودة ؟ لم يعد يتم اختياره من الوجوه السياسية البارزة، بل من التكنوقراط أو الاقتصاديين. واللافت للنظر بعد ذلك هو أن الكل تعامل بهدوء مع الموقف.
وساعد على ذلك أن الأمر لم يتم إخفاؤه، وأن الإعلان يومياً عن الحالة الصحية للرئيس من جانب أطبائه الألمان اكتسب مصداقية في ضوء التجربة السابقة التي أجريت فيها جراحة العمود الفقري له، وصاحبها نفس الإجراء من الأطباء وثبت للرأي العام صحة ما أذاعوه يومها من معلومات.
لكن هذا الهدوء الظاهري لا ينفي القلق العميق والأسئلة المشروعة حول المستقبل، خاصة أنه في ظل النظام الدستوري الحالي فإن سلطة الرئيس هي المسيطرة على باقي سلطات الدولة، وبالتالي فإن محور الصراع هو حول موقع الرئاسة، والاهتمام كله هو لانتخابات الرئاسة في العام القادم، بينما هناك استحقاق لانتخابات جزئية لمجلس الشورى بعد شهور.
واستحقاق أهم لانتخابات مجلس الشعب قبل نهاية العام، ومع ذلك فمحور الحركة السياسية هو انتخابات الرئاسة، سواء من جانب جماعة التغيير التي التفت حول الدكتور البرادعي.
والتي تطالب بدستور جديد يلغي القيود علي الترشيح للرئاسة ويضمن نزاهة الانتخابات، أو من جانب أحزاب المعارضة الرئيسية التي تضاءل وجودها في الشارع السياسي لأسباب عديدة والتي تكتفي بطلب تعديلات دستورية، بينما الحزب الوطني يعلن رفض أي حديث عن الدستور.
ويبقى أمران يستحقان التسجيل: الأول أن الدكتور عبيد ترك موقعه كرئيس للحكومة بعد أسابيع من تفويضه بالقيام بمهام الرئاسة أثناء جراحة الرئيس عام 2004!
والأمر الثاني أن قادة الحزب الوطني كانوا يرفضون في هذا الوقت بكل حسم أي نقاش حول تعديل الدستور في حوار كان يجري مع أحزاب المعارضة الآن، وكانوا أول من فوجئ بقرار الرئيس بإجراء التعديلات الدستورية التي تمت بصورة تحتاج لتعديل يصر قادة الحزب الحاكم على أنه مستحيل، ويقول الواقع إن كل الاحتمالات واردة.
وأنه بين الهدوء الظاهري والقلق الحقيقي تعيش مصر حالة انتظار لعودة الرئيس مبارك سالما إلى أرض الوطن، وحالة انتظار لاستحقاقات مهمة في المرحلة القادمة، وحالة انتظار الإجابة عن أسئلة الإصلاح والتغيير التي لم يعد ممكناً تجاهلها في كل الأحوال.
كاتب مصري