لم يكن من الصعب التكهن بصدور بيان عن اللجنة الوزارية لمبادرة السلام العربية لتوفير الإخراج المطلوب أو الغطاء العربي وهو غطاء جزئي وشفاف وفيه خروق غير قليلة للرئيس الفلسطيني بغية الذهاب إلى المفاوضات غير المباشرة التي تعرف أيضاً بالمفاوضات عن قرب:

فلا العرب قادرون على توفير بديل لأبو مازن من جهة يسمح له بعدم القبول «بالدعوة الأميركية» ولاهم راغبون وبالتالي قادرون على مقاومة الضغوط الأمريكية بشكل خاص والغربية بشكل عام لتوفير هذا الغطاء.

تقطيع الوقت، هروب إلى الأمام، إخراج مؤقت لتأجيل الإحراج، تنفيس الاحتقان أو تسخين ضروري كشرط لانطلاق المفاوضات يوما ما كلها أوصاف استعملت وتستعمل لتفسير وتبرير ما كان منتظراً.

لكن يأتي القرار العربي في سياق سياسة للراعي الأمريكي عنوانها العودة إلى إدارة الأزمة بعد لحظة من الأمل بسياسة تسوية الأزمة.

يحصل ذلك في ظل توافق واسع و صامت في التركيز على الملف الإيراني ولو كان هذا التوافق من مواقع مختلفة وحسابات متعددة يجمعها كلها أولوية الملف الإيراني ومخاطره وهامشية الملف الفلسطيني على صعيد القدرة على تهديد الوضع القائم أو قلب الطاولة على الجميع.

لكن يمكن الاستنتاج منذ اليوم الأول انه لن يحصل أي تغيير نحو الأفضل بعد الأشهر الأربعة للمفاوضات غير المباشرة وعند حدوث استحقاق التقييم في الأسبوع الأول لشهر يوليو المقبل. عنوان ودبلوماسية الأشهر الأربعة القادمة يمكن اختصاره بتعبير «مكانك راوح».

أسباب خمسة تؤكد هذه الخلاصة وهي أولا، أن هذه الحكومة الإسرائيلية بتركيبتها السياسية الشديدة التعقيد والحساسية ليس فقط على صعيد الموقف من القضية الفلسطينية بل على صعيد الخيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الداخلية لا تستطيع أن تتحرك إلى الأمام فرئيسها كمن يمشي على حبل مشدود .

وهي قد تسقط أمام أول استحقاق كبير داخلي أو خارجي باعتراف قيادات إسرائيلية عديدة علما أن هنالك حركة سياسية خجولة قد بدأت لطرح احتمال إدخال كاديما إلى التحالف الحاكم لتعزيز الليكود أمام حزب إسرائيل بيتنا.

أضف انه لا توجد مخاطر فعلية تدفع الحكومة الإسرائيلية إلى محاولة الخروج من الوضع القائم فهو وضع محتمل وتكاليفه بسيطة وعنوانه متوافق عليه .

وهو السلام كغياب لقدرة عربية أو فلسطينية للحرب على إسرائيل. ثانيا، هنالك وضوح إسرائيلي شديد ورسائل متعددة ومباشرة ضد التفاوض وضد السلام منها بالطبع ما هو حاصل في اليومين الأخيرين من بناء وحدات سكنية جديدة في الضفة الغربية والإعلان عن خطة لبناء 1600 منزل في القدس الشرقية وسياسة التهويد المتسارعة في القدس الشرقية.

وبناء حدائق توراتية والإعلان عن أن إسرائيل ستبقى في وادي الأردن على الحدود بين الدولة الفلسطينية القادمة والأردن وذلك كقرار استراتيجي امني حيوي.

كلها مواقف وإعلانات إسرائيلية تبدو وكأنها تحد مقصود خاصة ما حدث في اليومين الأخيرين ورسالة موجهة للإدارة الأمريكية مع وصول نائب الرئيس الأمريكي إلى إسرائيل وبدء الدبلوماسية المكوكية للمبعوث الأمريكي جورج ميتشل.

إنها محاولة أيضا لاختبار رد الفعل الأمريكي ولتأكيد ما هو معلوم من أن المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة لن تؤثر في سياسة تعزيز الأمر الواقع الإسرائيلي في الأراضي المحتلة خاصة إذا تذكرنا النقلة النوعية في هذا المجال بقرار إسرائيل ضم الحرم الإبراهيمي في الخليل.

ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم وهما في أراضي فلسطينية محتلة إلى قائمة المواقع الأثرية الإسرائيلية بحيث صار الحق التاريخي التراثي والوطني الإسرائيلي كما يقول نتانياهو يطغى على سيادة الآخرين وحقوقهم الوطنية المتفق عليها دوليا.

ثالثا، لا يختلف اثنان على ان حماسة واشنطن لفتح الملف الفلسطيني الإسرائيلي والدفع باتجاه تسويته قد حل محلها فتور كامل لتندرج السياسة الأميركية من جديد تحت عنوان إدارة النزاع بدل تسويته. فإدارة اوباما اكتشفت أنها لا تقدر على مواجهة إسرائيل بشأن تجميد الاستيطان .

وان هنالك أولويات عديدة تتفوق على الملف الفلسطيني منها بالطبع هموم الداخل الاقتصادية والانتخابات النصفية في الكونغرس في الخريف القادم والمواجهة مع إيران التي بلغت أعلى درجات سخونتها الدبلوماسية وترتيب الانسحاب من العراق إلى جانب بالطبع إلى الملف الأفغاني العائد إلى الاشتعال وواشنطن تدرك أن الضغط على الفلسطينيين والعرب غير مكلف وسهل والمسالة كلها مسألة إخراج دبلوماسي لحفظ ماء الوجه.

رابعا، جدلية العلاقة بين التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي والمصالحة الفلسطينية الفلسطينية التي هي أيضا رهينة لحالة العلاقات العربية العربية والعربية الإقليمية.

هذه الجدلية تزداد حدة وتنعكس سلبا على احتمالات المصالحة وتحدث المزيد من الضعف في الجسم السياسي الفلسطيني وبالتالي تحدث مزيدا من الانهيار في قدرات فلسطينية مبعثرة ومنهارة أساسا وضرورية للتفاوض الفعلي وقبل ذلك لإعطاء مصداقية للمفاوض الفلسطيني.

خامسا، من الواضح أن النظام العربي الرسمي في هشاشته وضعفه يتبع سياسة الحد من الخسائر وتأجيل كل استحقاق له ثمن أو مخاطر ويعيش أيا كانت أطرافه مسألة تسوية الملف الإيراني وطبيعة هذه التسوية وتداعياتها حربا أو توترا أو صفقة أو تهدئة على النظام العربي نفسه.

وبالتالي يساهم هذا النظام عن قناعة وغياب البدائل في لعبة التهدئة والتأجيل التي تعني عمليا المزيد من التهميش في الملف الفلسطيني.

يأتي ذلك كله عشية القمة العربية والقمة عادة ما تكون موعدا يحمل تحدي بلورة موقف مختلف أو إعادة تموضع تمنح بعض القدرات للنظام العربي ولكن عادة ما تؤدي القمم إلى مزيد من الإحباط.

فالمصالحات إذا توافرت لا تتبلور على قواعد واضحة تنتج سياسات واستراتيجيات لتعامل فاعل مع قضايا المنطقة لكنها تبقى نوع من المصالحات الشخصية أو تبويس اللحى والحفاظ على اللياقات تحقيق بعض الانفراج وخفض التوتر مع بقاء كل طرف على موقفه أو في موقعه.

فهل نحن كما يقول كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات أمام آخر محاولة للتفاوض حول الدولتين اللتين تعيشان جنبا إلى جنب والفشل في ذلك يقود إلى نضال فلسطيني تحت عنوان دولة ثنائية القومية.

هل نحن أمام تبلور انتفاضة ثالثة انتفاضة ضد الكل لا تنتظر نهاية الأشهر الأربع أو تقتات وتتغذى في انفجارها على دبلوماسية المزيد من الإحباط القادم.

هل نستطيع أن نراهن بعد أشهر أربع على الذهاب إلى مجلس الأمن بعد التمني على واشنطن بعدم استعمال الفيتو وماذا إذا استخدمت واشنطن الفيتو وهي دون شك ستستخدمه أو قد تردع بشكل مسبق النظام العربي الرسمي من الذهاب إلى مجلس الأمن والأمثلة على ذلك كثيرة، فمن لا يستطيع القليل لا يستطيع الكثير.

نحن مرة أخرى سنجد أنفسنا في نقطة البداية التي لم ننطلق منها ولو القليل منذ سنوات وليس منذ مباركة اللجنة العربية للمفاوضات غير المباشرة.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr