عندما تصافح عينا القارئ هذه السطور، ستكون نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية قد أعلنت، بشكل أو بآخر، بحيث يتاح للجميع الإلمام بالصورة الكاملة على وجه التقريب لما فازت به التجمعات والائتلافات والأحزاب والقوى المختلفة من مقاعد في البرلمان الجديد، وحتى إن بقيت مناطق لم تحسم نتائجها، فإنها لن تغير من معالم الصورة الشاملة لنتائج الانتخابات.

في هذه الصورة الشاملة تبرز مجموعة من الحقائق، التي لا يمكن إلا أن تلفت النظر، وتثير المزيد من تلك الأسئلة، التي سبق لن أن وصفناها بأنها تؤرقنا جميعا، وفي مقدمتها ما يلي: أولا ـ لا موضع للتشكيك في أهمية هذه الانتخابات، التي دعي إلى المشاركة فيها 19 مليون ناخب عراقي، تعين عليهم الاختيار من بين600 مرشح ينتمون إلى 68 حزبا، لتشكيل البرلمان الجديد.ولكن في الوقت نفسه هل يمكن القول إن هذه الانتخابات تشكل منعطفا حاسما في مسيرة العراق الجديد؟ أم أنها لا تعدو أن تكون مجرد بداية لها ما بعدها؟ إن عدم بروز إئتلاف أو تحالف بعينه باعتباره الفائز الكبير فيها يوحي لنا بأن الحكومة الجديدة ستحظى بسلطتها استنادا إلى نسب مئوية من الجماعات الشيعية والسنية والكردية في العراق، وهو ما يعني أن الأرضية الطائفية والعرقية ستظل، في نهاية المطاف، هي ما ينهض عليه أي كيان فاعل في العراق، فهل هذا حقا هو ما يتعين على العراقيين أن يرتضوه باعتباره مستقبلهم الذي سيتعايشون معه طويلا.

ثانيا ـ أيا كان من سيتولى منصب رئيس الوزراء في العراق، سواء كان نور المالكي، أو اياد علاوي، أو غيرهما من السياسيين العراقيين، فإنه سيتعين عليه أن يخوض غمار عملية معقدة قائمة على المزيد من التحالفات ومد الجسور لتشكيل الحكومة الجديدة.

وهو خيار وحيد على الرغم من إيحائه بالتعدد، ويبدو أنه الشكل الأثير الذي يسعى الاختصاصيون الغربيون في الهندسة السياسية إلى أن يكون جزءا من ملامح الحياة السياسية في الشرق الأوسط، وعلى الرغم من حرص الكثير من الكتاب والمحللين على تقديمه باعتباره التجلي الوحيد الممكن للديمقراطية، فإن السؤال الكبير هو: إلى أي حد يمكن أن توصف هذه الممارسة بالنجاح وهي تجري في ظل الاحتلال الأجنبي؟

ثالثا ـ من المهم أن نلاحظ أن 4 ,62%من الناخبين قد تحدوا مؤشرات الخطر والعنف، ومضوا للإدلاء بأصواتهم، وهي نسبة تراجعت في بغداد إلى 54%، وتظل لها أهميتها على الرغم من أنها تقل عن نظيرتها في انتخابات 2005 التي تجاوزت 70%.

ولكن هل يمكن أن نتوقع استمرار مثل نسب الإقبال هذه أم أنها يمكن أن تنحسر بشدة إذا لم يجد الناخب العراقي أن هذه الممارسة بكاملها تنعكس بشكل مؤثر وإيجابي في حياته اليومية.

رابعا ـ حرص الكثير من المراقبين على الإشارة إلى أن قوات الاحتلال بدت «خفية» في غمار الانتخابات، على عكس ما كانت عليه الحال في انتخابات عام 2005، ولكن السؤال المؤرق يظل قائما: هل ينسحب الأميركيون وفقا للبرنامج الزمني الذي أعلنه الرئيس باراك أوباما أم أن التيارات التي تدفع باتجاه بقاء قوات الاحتلال في العراق سنوات مقبلة سينعقد لها لواء الفوز في نهاية المطاف؟

خامسا ـ يعد التحدي الكبير الذي ستواجهه الحكومة المقبلة في العراق هو توفير الأمن للشارع العراقي، فبدون هذا الأمن لن تكون هناك إمكانية لانطلاق عملية إعادة دوران دولاب الحياة الاقتصادية في البلاد.

وبالتالي فإن الآمال الكبار المعلقة على إعادة تشكيل البنية التحتية للعراق وإعادة إعماره وانطلاق برامج تطوير القطاع النفطي ستظل وهما، ما لم تتحقق الشروط الأساسية التي تشكل الأرضية التي لا غنى عنها لهذا كله.

ولكن هل هذا ممكن في المدى القصير؟ إن الإجابة بالسلب عن هذا السؤال لن تعني إلا أن الممارسة السياسية التي شهدها العراق هي ممارسة جوفاء وبعيدة عن حياة الناس وواقعهم.

تتعدد الأسئلة التي يمكن أن تطرح في هذا الإطار، ولكن الجانب المؤرق فيها حقا يتعلق بما تعتزمه النخب والقيادات السياسية، ذلك أن استمرار التطاحن بين السياسيين العراقيين وابتعادهم عن التوصل إلى الحلول الوسط، التي هي صميم آلية عمل النظام الذي ارتضوه، من شأنهما أن يطرحا أسئلة مفزعة حول مدى صلاحية هذا النظام لتشكيل مظلة للمستقبل العراقي أصلا.

بل قد يدفع البعض إلى التساؤل عما إذا لم تكن تنويعات على نظام عراقي سابق هي بديل يمكن طرحه في المستقبل. هذا السيناريو أكثر خطورة بكثير مما يبدو لنا لأول وهلة، لأنه يعني أن العراق لم يتمكن من الانطلاق بالعملية السياسية قدما على نحو ما تديرها آلية الانتخاب وتداول السلطة والوصول إلى ائتلافات قادرة على العمل معا رغم الاختلافات.

لو أننا ألقينا نظرة على الشارع العراقي كما كان عليه في انتخابات2005 وكما بدا في انتخابات الأمس القريب، لأمكننا أن نحقق إطلالة على الطريق الذي ستمضي فيه الإجابات عن الأسئلة التي طرحناها.

في الانتخابات الأولى كانت الحياة السياسية أكثر بساطة، حيث قاطع السنة الانتخابات، وبرزت حفنة من الأحزاب تستند إلى شخصيات دينية في المقام الأول. أما في الانتخابات الأخيرة فقد رأينا حشدا من الجماعات والأحزاب والشخصيات الفردية التي تعمل على تشكيل ساحة سياسية مختلفة.

في انتخابات 2005 كان الوضع الأمني كابوسا حقيقيا، وقوى الأمن العراقية كيانات يفر الناس منها وليس إليها، لكن الوضع بدا مختلفا في الانتخابات الأخيرة، حقا إن العنف أعلن حضوره، ولكنه كان يبدو في طريقه إلى الانحسار بأكثر مما كان يعلن تجدد حضوره.

ويبقى القول إن مرحلة ما بعد الانتخابات هي اختبار حقيقي للخطى التي يمضي بها العراق نحو المستقبل، ولهذا فإن كل العيون تتركز على السياسيين العراقيين، وعلى ما ستسفر عنه مداولاتهم، وهو أمر ينبغي حقا أن يأخذوه بعين الاعتبار.

kamel@albayan.ae