مثلت أزمة شركة تويوتا مع دواسات الوقود فضيحة عالمية، نالت من سمعة اليابان، فقد شملت أسواقا عدة واتسمت بضخامة غير مسبوقة، إذ بلغ عدد السيارات المعيبة نحو ثمانية ملايين ونصف المليون سيارة، بما يعني المخاطرة بحياة نفس هذا العدد من البشر على الأقل.

وهذه الأزمة ما كان لها أن تتكشف بالقوة التي ظهرت بها لو لم تخرج من الولايات المتحدة، فعيب الدواسات معروف منذ بدايات العام 2009، لكن بعض الأسواق تغاضت عنه. وهو ما يعكس حجم السطوة التي يمارسها رأس المال الياباني عالميا، وربما لولا ظروف الأزمة الاقتصادية وما يصاحبها اليوم من حروب اقتصادية بين الكبار، لما تكشفت مشكلة الدواسات، ولما تم التعامل معها بهذا القدر من الصلابة.

هذه الأزمة في جوهرها تفجر تساؤلات حول مدى انضباطية رأس المال الياباني، ومدى التزامه بقيمه الأخلاقية خارج حدوده، وهي القيم التي ميزت اليابان في كافة الميادين وكانت سر تفوقها عالميا.

الملاحظ أن تويوتا لم تحرص وهي تتوسع خارج حدودها على أن تصطحب معها أخلاقياتها الوطنية، وإنما اكتفت بتوظيف قوانين العولمة وتطويعها، كأي شركة أخرى مماثلة لها في الغرب.

وهذه الأزمة ما كان يمكن لها أن تمر بذات التفاصيل، لو أنها حدثت على الأراضي اليابانية، فالحساب عندئذ عسير، بل ويقترب من الخيانة الوطنية، وربما لهذا السبب فإن السيارات التي تنتجها الشركة داخل اليابان، نجت من عيب الدواسات، وهو ما يشير إلى أن الشركة المنتجة تتبع قيما صارمة داخل بلادها تختلف عن تلك التي تتعامل بها وتطبقها في الأسواق العالمية.

وهذا النموذج القيمي قابل أيضا للتطبيق على الشركات اليابانية الأخرى، وفق قوانين العولمة، بالنظر إلى أن تويوتا هي كبرى الشركات اليابانية وطليعتها في الأسواق العالمية.

فقد بينت الأزمة أن رأس المال الياباني، يلتزم بأكثر من معيار قيمي وأخلاقي، فهو في وطنه شديد التمسك بالصرامة الأخلاقية وبالمعايير التي تتوافق مع الموروث الوطني في العمل، بينما لا يفعل ذلك بالضرورة في الخارج، إذ يكتفي بالخضوع لمتطلبات القانون من حيث الجودة. وشتان بين الأخلاق وبين القانون.

وينطبق ذلك على أيضا على طرق المحاسبة. فلو أن هذه عيب الدواسات وقع في اليابان، وأسفر عن سقوط ضحايا، كما حدث في بعض البلدان، لما انتظر أكيو تويودا رئيس شركة تويوتا ساعة الحساب الوطني، ولأقدم فورا محاسبة نفسه على طريقة «الهاراكيري»، ولكن لأن الضحايا ليسوا يابانيين، فإنه اكتفى بالتعامل مع ما جرى، باعتباره مجرد خطأ فني، على الرغم من جسامتة.

وتأخذنا هذه الثنائية إلى الجزم بأن الأخلاق اليابانية لا تصلح لأن تكون أخلاقا عالمية، فهي لا تعدو كونها ابنة شرعية للبيئة والموروث داخل حدود اليابان الجغرافية.

ومن ثم فهي لا تصلح للنمو خارج هذه البيئة، وهو ما يمثل ردا بليغا على اندفاع بعض العرب باتجاه الترويج لاعتبار القيم اليابانية نموذجا فكريا وثقافيا وإنتاجيا يصلح للتداول عربيا.

وإذا وضعنا في الاعتبار ضخامة هذه الأزمة منذ بداية التنبه إليها، مقابل عدم اهتمام تويوتا بالتحرك الفوري لتداركها، فإن ذلك يكشف عن حالة من التجبر الاقتصادي الياباني عولميا، وهو ما تمارس الولايات المتحدة مثيلا له عسكريا.

مع الوضع في الاعتبار أن مصدر قوة اليابان اليوم محصور فقط في الاقتصاد، ومن ذلك انه عندما هاجمت بعض وسائل الإعلام العالمية شركة تويوتا في نهاية عام 2008، وألمحت إلى بعض العيوب في سياراتها، هدد رئيس الشركة آنذاك هيروسي أكودا بالتوقف عن الإعلان في تلك الوسائل (الجزيرة نت -9-2-2010)، وهو في ذلك استخدم سطوة رأس المال لطمس مشكلة كان يمكن تداركها مبكرا.

وهكذا فان هذه الأزمة تطرح تساؤلات عدة عن جدوى الثقة المطلقة التي نمنحها نحن العرب بدورنا للصناعة اليابانية، خاصة وان أسواقنا تخلو من صرامة القوانين الأميركية أو الأوروبية، فأزمة دواسات الوقود أثبتت أن الأخلاق اليابانية مطاطة وتتمتع بمرونة لا حد لها، ولا تبتعد خارج حدودها عن الأخلاقيات الغربية، وهو الدرس الذي علينا أن نعيه جيدا.

alkennany@albayan.ae