في الثقافة، يجب الانتباه للتحذير القائل «احذر من قرأ كتابا واحدا».. ولعلي أضيف أيضا «واحذر من قرأ عدة كتب، ولكن في اتجاه وحيد»، ليس فقط لأنه لن يتوفر له رصيد أكبر من المعلومات والرؤى، ولا إطلالة أوسع على الصورة من زواياها الأربع، ولكن لأن الأخطر هو الوقوع أسيرا لرؤية واحدة، ولن يكون بمقدوره القبول بغيرها، متوهما أن ما قرأه هو كل شيء وغيره لا يعرف شيئاً.

وفى الإعلام، يجب الانتباه للتحذير القائل «احذر القبول بنصف الحقيقة» ،لأن نصف الدجاجة لن تلد بيضة واحدة، بينما الدجاجة الكاملة تلد بيضا كثيرا، وبالتالي فإن نصف الحقيقة لا يمكن أن يلد كل الحقيقة، ومفتاح صناعة التضليل الإعلامي، وليس البحث عن الحقيقة، هو التعامل مع نصف الحقيقة والجهل أو التجاهل للنصف الآخر..

من هنا تكون الرؤية من هذه الزاوية بجانب الرؤية من الزاوية الأخرى في الثقافة، وعرض الرأي والرأي الآخر في الإعلام، هو نظارة الرؤية الواضحة وبوابة التنوير الإعلامي للرأي العام.

والكاتب الحقيقي هو الباحث عن حقائق الصورة من زواياها الأربع، ثم هو موقف شجاع لإظهار ودعم ما يرى أنه الحق، وفي نفس الوقت هو موقف لكشف ورفض ما يرى أنه ينحاز إلى الخطأ ويجافي الصواب، ولا يتفق مع الحق ولا ينتصر للعدل، بعينين اثنتين لا بعين واحدة.

وبضمير مطمئن أن الرأي أمانة، والكاتب السوي في النهاية ليس ولا يجب أن يكون موقعا لقلب الحقائق، بقصد تضليل الناس لحسابه أو لحساب غيره، ولدعم ما يعرف أنه الزيف بعينين مغمضتين أو بعين واحدة، أو بغرض سافر أو بضمير غائب.

والإعلامي الحقيقي في البداية ليس قاضيا، وإن كان عليه أن يتسلح بضمير القاضي، بل هو في النهاية محقق أو متحقق نزيه، وشاهد أمين وليس شاهد زور، يروي للرأي العام شهادته عما تجمع لديه من وقائع، وهو من يسعى للحصول على الحقيقة في كل حدث أو قضية من مصادرها المختلفة.

وهو في النهاية وبعد التحري والتمحيص بضمير الشاهد، وليس مجرد الراوي المردد لأقاويل الآخرين، ولا يكتم ما يكتشف أنه حقيقي، حتى ولو على حسابه أو على حساب منبره الإعلامي، وليس جناية متعمدة على الحقيقة.. ولأن المثقف أو الإعلامي في البداية والنهاية إنسان ذو عقل وعين وضمير إنساني.

ومتاح له ما لا يتاح لغيره من حق المعرفة وواجب الإدلاء بالرأي، فإن أشرف واجبات الإنسان سوي القلب والعقل والضمير، هو الوقوف مع ما يراه حقا وضد ما يراه ظلما، وأن يملك شجاعة تصحيح رؤيته ورأيه كلما عز عليه الضوء المتاح أمامه.

وأن يراجع نفسه، بل وأن يتراجع إذا شعر أنه وقع في ظلم أحد خوفا أو طمعا أو مجاملة لأحد، أو مجافاة لمبدأ إنساني أو ديني أو قومي أو وطني. لكن كشف الحقائق بغير تجزيء ولا تحريف أو تعتيم أو تزوير، كمقدمة ضرورية للرأي العام ليكشف من يقف معها أو ضدها، ليس فقط مرهونا بموضوعية المثقف أو بأمانة الإعلامي، بل هي في الأساس مرهونة بمناخ الحرية العام في المجتمع، وبثقافة الديمقراطية الحقيقية لا الشكلية أو المدعاة.

وبمدى ما للسلطة الحاكمة التي تملك في النهاية قرار المنح والمنع، وتشجيع الحرية لتعرف هي أولا ما هي الحقائق، لكي تتمكن من التعامل الملائم معها بغير تهوين أو تهويل، وبمدى ما للسلطة من موقف رشيد أو عنيد من الحرية والحق والعدل، وهل هي مع الإضاءة أم مع التعتيم؟

وهل هي مع حرية التعبير أم مع أسلوب التكميم العقيم، حين تغيب الحكمة السياسية المسؤولة فتقع في الجناية على الحق والجناية على الحقيقة. والذين يشنون الهجمة الشرسة على أمتنا العربية والإسلامية، بالغزو والاحتلال وإرهاب الدولة والحصار والتهديد بالحرب من خارجها.

والذين يتماهون مع مشروعهم العدواني بالقصد المتغافل عن الوقائع الحقيقية، أو باللاقصد الغافل عن الثوابت المبدئية من داخلها، بإعلاء الفردي على الجماعي والحزبي على الوطني، وبمحاولة خلق تناقض بين الوطني والقومي، وبين القومي والديني، وبإثارة الانقسام القومي والعرقي والطائفي والمذهبي، إنما يقعون في الخطأ، بل في الخطيئة!

والذين يقفون بالقصد في الموقف الذي يقفه أعداء الأمة كلها، الساعين إلى إشعال المعارك بين أجزائها وإشعال الحرائق بين أطيافها، من وراء لافتات صحيحة بمضامين زائفة عن الحرية والسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، يصلون إلى حد الإثم والجريمة.

أما الذين يقعون في الشراك الخداعية الفكرية والإعلامية والقانونية، لتقسيم الأمة وتشطير الأوطان العربية والإسلامية، سياسيا وعرقيا وطائفيا ومذهبيا، فإنهم يتيحون لأعدائهم وأعداء أشقائهم، القضاء عليهم جميعا بتحويل جبهة الصراع من حدود الأعداء إلى حدود الأشقاء، لارتكاب جرائمهم في أجزائها على التوالي.

ومحاولة الهروب من إدانتهم بالتضليل والتزوير، بأن يسمى الاحتلال الإجرامي الأميركي في العراق تحريرا، أو يسمى الإجرام الإرهابي الإسرائيلي في فلسطين دفاعا عن النفس!

لكن الأسوأ من ذلك، هو وقوع بعض الأشقاء في ظلم أنفسهم قبل ظلم غيرهم، بسوء القراءة بسبب سوء الأحوال السياسية وضبابية الرؤية، وبالتالي سوء التعبير عن الرأي، لأن الرأي في النهاية هو انعكاس للرؤية.

وظلم الأشقاء للأشقاء يكون في المشهد المرئي محاباة للأعداء ومجافاة للأشقاء، وبمعاملتهم كظالمين بينما هم المظلومون. وكعرب وكمسلمين، نعرف أن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه.. ولهذا «انصر أخاك ظالما برده عن ظلمه، أو مظلوما بمساندته حتى ينال حقوقه المشروعة».

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com