ٍها قد عدنا إلى الأمر نفسه.. ولكم نكره هذا الأمر، لأنه يدفعنا مجددا إلى الحلقة التاريخية نفسها من الفعل ورد الفعل. سندقق في كلمات جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي، الذي وصل إلى تل أبيب وانتقل بعدها إلى رام الله.

سندقق في محاولة استكشاف بعد أو مؤشر جديد لسياسة أميركية جديدة حيال هذا الصراع المرير، هلل لها الكثيرون منذ مجيء باراك أوباما. سندقق في كلماته، لكننا هذه المرة لن نلتمس الآمال ولن نجري وراء الأوهام، ولن نعطي الكلمات اكبر من حجمها ومدلولها الطبيعي.

ربما سيفكر غالبنا في تكرار ما تقوله صحيفة «هارتس» الإسرائيلية، التي كتبت في افتتاحيتها ليوم الاثنين 8 مارس الجاري: «لا يحق لإسرائيل أن تتبنى نهجا يستخف باستئناف العملية السياسية. ليس فقط لان مكانتها في العالم تدهورت وعلاقاتها مع الولايات المتحدة أصبحت رسمية فقط. فكل المؤشرات على الأرض تدل على خطر التدهور العنيف، وربما اندلاع انتفاضة ثالثة. استئناف العملية السياسية هو خطوة حيوية لمنع هذا التدهور على المدى القصير، وإنهاء النزاع على المدى الطويل».

وقد يغرينا قليلا كلام الوزير الإسرائيلي السابق يوسي بيلين، رغم بعض الألغام المتوارية فيه، عندما يقول انه «إذا كان الأمر يتعلق بإقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة على أغلبية جوهرية للضفة الغربية، وتترافق مع تصريح أميركي واضح حول المبادئ التي توجه التسوية الدائمة، فسيكون هذا أفضل بكثير من الوضع المتفجر القائم».

(«المستقبل» اللبنانية مترجما عن «إسرائيل اليوم»، 8 مارس). لكن لم العناء؟ ليس هناك أي وهم حول إمكانية تقدم، فالمجاملات التي استهل بها بايدن زيارته لإسرائيل ولقاءاته العائلية مع نتانياهو، رد عليها نتانياهو بقرار (تم توقيته بشكل لا يمكن اعتباره إلا إهانة) بناء 1600 وحدة سكنية في القدس المحتلة. هكذا، فان كلمات التشجيع المتوقعة، حل محلها شيء آخر تماما، يثبت معه بيبي أنه سياسي صغير للغاية ليس أهلا سوى للاستعراضات.

قائمة الكلمات تلبي متطلبات البلاغة لكل موقف.. فوزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك عبر «عن غضبه بعد الإعلان غير الضروري عن هذا المشروع الذي يعرقل مفاوضات السلام مع الفلسطينيين».

معتبراً أن «لإسرائيل مصلحة كبرى فيها». بل هناك المزيد لدى شيمون شيفر في يديعوت احرونوت، الذي وصف القرار بأنه «بصقة في وجه نائب الرئيس الأميركي جو بايدن».

أما بادين نفسه، فقد أعلن بعد لقائه بالرئيس الفلسطيني أبو مازن أن القرارات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية «تشكل نسفا للثقة وضربة قاصمة للجهد الذي بذل خلال الشهور الماضية لإطلاق المفاوضات غير المباشرة».

لا عليكم من كل هذا، فإدارة أوباما لن تخرق قاعدة ثابتة وراسخة في السياسة الخارجية الأميركية، وان كانت ستحقق اختراقا ما فلن يكون في الصراع العربي الإسرائيلي. ان نتانياهو ومن قبله رؤساء حكومات إسرائيليون سابقون، لطالما أقدموا على خطوات تحد وإهانة مثل هذه، لأنهم واثقون تمام الثقة أن لحظة التغيير في السياسة الأميركية لم يحن موعدها بعد.

لكن حقيقة الضرر التاريخي الهائل الذي تتكبده أميركيا بسبب سياستها حيال إسرائيل، ليس خافيا حتى في الولايات المتحدة نفسها، رغم أن ما يشبه قانون الصمت ما زال مستمرا هناك.

يجادل روجر كوهين محرر الشؤون الخارجية والكاتب السابق في صحيفة «نيويورك تايمز»، بأن «حل الدولتين لشعبين هو الهدف المعلن للولايات المتحدة في المنطقة، لكنها تقوم بتمويل ذات السياسات الإسرائيلية التي تقضي على هذه الآمال عن طريق جعل حل الدولتين غير قابل للتخيل تقريباً» (نيوزويك 23 فبراير 2010).

ففي حوار جمعه مع البروفيسور رشيد الخالدي، أستاذ الدراسات العربية في جامة كولومبيا ومستشار الوفد الفلسطيني في مفاوضات السلام، وايتمار رابينوفيتش السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن، وستيوارت آيزنستات السفير الأميركي السابق في الاتحاد الأوروبي ووكيل وزارة الخارجية الأميركي السابق، يرى كوهين أن «تواطؤ أميركا المتصور في العنف الإسرائيلي ينطوي على ثمن باهظ، فهو يمثل أداة قوية لتجنيد الإرهابيين.

وإذا كانت أميركا ستدفع الدم والمال، وتفقد أيضا راحة البال التي تصاحب دعم إسرائيل، فإن عليها أن تتحدث بصورة صريحة وبصورة تنطوي على الانتقاد تجاه الأخطاء الإسرائيلية، حين يستلزم الأمر». لا يتردد كوهين في إطلاق صفة الفشل على السياسة الأميركية، بل إنه أكثر من ذلك، يقول:

«في حياتنا العادية، نصف الغوص بصورة أعمق في الفشل بأنه غباء. وإذا ما قسنا السياسة الأميركية تجاه إسرائيل بأي مقياس، فإن هذه السياسة قد فشلت».

وثمة الكثير مما هو أقسي من هذا النقد، لكن إذا كانت هذه الآراء لا تزال مطروحة على مستوى النقاش، فإن العمى الذي يغشى عيون مخططي السياسة الخارجية الأميركية وأصحاب المصالح الكبرى فيها، ما زال سائدا ولم تنج منه إدارة أوباما، التي لا توجد أية مؤشرات على أنها ستكون استثناء من هذه القاعدة.

لهذا، ليس أمام الفلسطينيين سوى التمسك بموقفهم الرافض لأية مفاوضات مع حكومة نتانياهو، وليسوا مطالبين إلا بأن يواصلوا نضالهم لبناء الدولة ووحدتهم الوطنية.

كاتب وصحافي بحريني

M.alobaidley@gmail.com