جرت الانتخابات العراقية الأخيرة في أجواء وصفها العراقيون بأنها ممتازة، رغم سقوط عدد من القتلى والجرحى وعشرات من القذائف والتفجيرات التي استهدفت الناس قبل أن تستهدف النظام.
وهي انتخابات أجمع المحللون السياسيون على كونها حاسمة ومفصلية في تاريخ العراق الجديد. فالعراق يدخل في انتخابات ثالثة منذ سقوط النظام البعثي السابق، وهو في هذا يحاول تلمس طريقه في بناء دولته الجديدة العاجزة عن الإنجاز.
وتمثل هذه الانتخابات حالة جديدة: فهي بنتائجها القادمة لا تحدد فحسب مصير العراق خلال السنوات الأربع القادمة وإنما قد تحدد كذلك طبيعة علاقته بدول الجوار العربي والإقليمي، كما هي ستحدد المسار الذي ستكون عليه السلطة العراقية الجديدة.
وهي، كما قلنا انتخابات حاسمة، لكونها الأولى التي وصلت فيها مشاركة العرب السنة لما يفوق 65%، وهي نسبة تعكسها الرغبة الجامحة في أحداث التغيير من خلال الانخراط وبشكل فاعل في العملية السياسية، رغم محاولات التهميش التي جاءت عليهم خلال السنوات القليلة الماضية..
وهي نسبة عالية جاءت بعكس ما رغبت بعض الجماعات السياسية في داخل الدولة العراقية وخارجها.فمحاولة هيئة «المساءلة والعدالة» إقصاء عددا من السياسيين السنة كصالح المطلق وظافر العاني بتهمة الانتماء لحزب البعث المنحل قد فعلت فعلها العكسي لصالح القائمة العراقية التي يتصدرها أياد علاوي رئيس الوزراء العراقي السابق.
وتعكس درجة التصويت العالية للقائمة العراقية ليس فحسب في الغرب العراقي وإنما كذلك في عراق الأوسط والجنوب، هذا التحول المهم في المزاج ولربما الموقف العراقي من جماعات الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي وذلك بالتصويت بكثافة للأحزاب السياسية الليبرالية والعلمانية.
وهو تحول مهم تعكسه حقيقة أن العراق وبفعل ما مر به من مآزق وكوارث وحروب أهلية بحاجة لنظام سياسي جديد لا يمثل الدين يافطته السياسية بقدر ما يمثل الوطن دائرته التي يلتف حولها كل العراقيين.
فممارسات الأحزاب السياسية الدينية في حكم العراق خلال السنوات الأربع الماضية لم تكن بأية حال أطهر وأنقى من ممارسات النظام المنحل السابق.
كما أن درجة تفشي الفساد المالي والإداري الذي وصلت إليه العراق في ظل قيادة هذه الأحزاب وفي ظل ضعف الدولة وتراخي قياداتها قد غير كثيرا من الاتجاهات التصويتية للناخب العراقي
فلم تعد تلك الأحزاب ورموزها وقياداتها السياسية تمتلك سمعة الطهارة والقدسية التي كانت توصف ولربما عند البعض تعرف بها. بمعنى أخر أن تحولا قد يكون مهما للحالة السياسية العراقية قد تأتي به نتائج الانتخابات العراقية إذا ما جاءت مطابقة للتوقعات.
أما ثاني هذه الأسباب فهي أن نتائج الانتخابات العراقية الحالية ستحدد استمرارية أو لا استمرارية نمط وطبيعة العلاقة التي ربطت العراق بدول الجوار العربي والأجنبي.
فقيادة أحزاب الإسلام السياسي الشيعي للعراق في السنوات الأربع أو الخمس الماضية قد أضعفت بل يمكن القول أقصت العراق عن محيطه العربي. ومثلت طبيعة علاقته بإيران مزيدا من التعقيد في علاقاته العربية التي وصلت في بعضها لدرجة العداء السافر ممثلة في ذلك بتصريحات لقياداته السياسية تنقصها في بعض الأحايين قدرا مهما من الدبلوماسية وفي خلط واضحا بين الديني والسياسي.
بل يمكن القول أن هذا التشدد قد شمل في ذلك سوريا الجار الشمالي للعراق والحليف السياسي لإيران في المنطقة العربية !! والتي وصلت لدرجة الشكوى من تدخلاته في الشأن العراقي مقابل سكوت النظام عن تدخلات يوصفها البعض في الداخل العراقي بالكبيرة من قبل إيران، وصلت ذروتها في المطالبات الإيرانية بإقصاء مرشحين عراقيين عن الانتخابات العراقية الأخيرة بسبب انتماءاتهم البعثية السابقة.
وقد تفتح عودة علاوي من جديد للسلطة إذا ما قدر لها أن تكون كذلك، عودة العراق للعرب من جديد. وهي عودة ضرورية ليس فحسب للحد من درجة التدخلات الإيرانية أو موازنتها، وإنما هي عودة ضرورية لكبح جماح الأنفلاتات الأمنية من ناحية ولمزيد من الاندماج للعرب السنة في العملية السياسية.
وهو مدخل مهم في محاصرة دائرة العنف وجماعات القاعدة والإسلام السياسي السني المنفلت في الوسط العراقي.
ولا بد من القول أن عودة علاوي للسلطة من جديد لا يرسل رسائل تطمينية مهمة لدول الجوار والمحيط العربي وإنما قد تجده الولايات المتحدة والغرب شخصا مهما في الحد من التدخلات الإيرانية وفي جعل رحيلهم ممكنا وسلساً.
وخلاصة القول أن الأنتخابات العراقية، رغم حجم التجاوزات التي شابتها، ورغم حجم العنف الذي رافقها، إلا أنها تبقى تحمل قدرا من النزاهة قد لا تتوفر في بعض من دول الجوار والإقليم العربي. وهي انتخابات قد يؤكد فيها العراقيون مرة أخرى على قدرة صناديق الاقتراع على أحداث قدر من تداول السلطة فيما بينهم.
وتبقى مع ذلك هذه التجربة رغم تقلباتها بحاجة لفسحة زمنية مهمة حتى تكون قادرة على أحداث الإصلاح في داخلها وتصويب العيب فيها. وهي لذلك بحاجة لتجاوز تلك الثقافة السياسية التي جاءت بها الجماعات السياسية التي تصدرت حالة العمل والسلطة السياسية.
كما أن تقويمها يحتاج لأن يتجاوز العراق حالة الاستقطاب الطائفي والمذهبي والعرقي والتشدد الدين الذي أصيب به خلال السنوات القليلة الماضية.
أنها بحق حالة تتحسس طريقها للأمام رغم أن خطواتها لا تبدو متسارعة، بل أنها بفعل الحالة التي هي عليها بدت متلكئة الخطى إن لم تكن متراخية.
كاتب بحريني