على الرغم من تصريحات الرئيس الأوكراني الجديد فيكتور يانكوفيتش أثناء الانتخابات وأيضا بعد الفوز فيها بأن أوكرانيا لن تنضم لحلف الناتو، إلا أنه عاد وقرر أن يلعب مع الغرب وروسيا لعبة إمساك العصا من المنتصف،و كان أول توجه له للخارج بعد توليه الرئاسة إلى بروكسل .

حيث مقر حلف الناتو، وصرح يانوكوفيتش هناك أن العلاقات بين أوكرانيا والناتو لن تتعرض إلى تغيرات مبدئية، وستبقى على المستوى الذي كانت عليه في عهد سلفه، وقال إن برامج أوكرانيا المشتركة مع الناتو التي يجري تنفيذها ستستمر، كما «ستستمر علاقات الشراكة».

وعلى الفور بدأت كل وسائل الإعلام العالمية تعلق على تصريحات الرئيس الأوكراني مركزة على تصريحه أن «توجه أوكرانيا نحو حلف الناتو لن يتغير». وكتب بعضها يقول إن أوكرانيا تسعى للانضمام لحلف الناتو، وتردد الحديث أيضا حول تفعيل إجراءات دخول أوكرانيا في عضوية الاتحاد الأوروبي، وكان البرلمان الأوروبي قد اعتمد قرارا من هذا القبيل فور إعلان فوز يانوكوفيتش بالرئاسة.

وفي الواقع لم يقل الرئيس الأوكراني المنتخب شيئا جديدا في بروكسل. ويذكر أنه تم إعلان التوجه نحو الانضمام إلى حلف الناتو اتجاها إستراتيجيا لأوكرانيا في فترة حكم الرئيس الأسبق ليونيد كوتشما. إلا أن هذا الإعلان لم يعتمد من قبل السكان في استفتاء، ولم يخرج الحديث عن هذا الموضوع خارج جدران البرلمان الأوكراني.

وكان يستخدم في المزايدات بين نواب شرق وغرب أوكرانيا، وحتى النواب الشرقيون الموالون لروسيا أيدوا في بعض الأحيان الانضمام لحلف الناتو على سبيل المزايدة، لكنهم هبوا معترضين بشدة في عهد البرتقاليين على زيارة سفن الناتو لموانئ أوكرانيا.

الجميع، سواء في الغرب أو في أوكرانيا يعلمون جيدا أن ظروف أوكرانيا لا تسمح لها بالانضمام للناتو، ويعلمون أن ميناء سيفاستوبول الذي يقيم فيه الأسطول الحربي الروسي لا يمكن أن يكون مركزا لحلف الناتو في البحر الأسود، لأن هذا سوف يؤدي ذلك إلى نشوب نزاعات كثيرة.

أما الانضمام للاتحاد الأوروبي فربما يكون أكثر واقعية، حيث كانت إدارات كل الرؤساء الأوكرانيين تعتبر الاندماج في الاتحاد الأوروبي أمرا أهم من التكامل في الساحة السوفيتية السابقة، ولذلك أدخلت الحكومة الأوكرانية منصب وزير الدولة للتكامل الأوروبي، في حين لا يوجد وزير مسئول عن إقامة فضاء اقتصادي موحد مع روسيا ودول رابطة الدول المستقلة الأخرى.

زيارة يانوكوفيتش إلى بروكسل قبل موسكو ليس لها أي معنى رمزي. ويذكر أن الرئيس الأوكراني السابق يوشينكو قام بأول زيارة خارجية له إلى موسكو بعد أن تولى زمام السلطة في عام 2005، لكنه توجه بقوة نحو الغرب بعد ذلك.

الساسة الأوكرانيون يجيدون الحديث عن الصداقة مع روسيا والمسيرة التاريخية والمصير المشترك، وهذا الحديث كان هدفه دائما الاستفادة بأقصى قدر ممكن من الموارد والمساعدات الروسية، وقد تحملت الخزانة الروسية كثيرا أعباء أخذ هذه الأحاديث بجدية، كما خسرت موسكو الكثير سياسيا بسبب تنازلاتها للجانب الأوكراني.

حيث أدى موقف السياسيين الأوكرانيين إلى فشل عدد من مشروعات روسيا في ساحة رابطة الدول المستقلة مثل الاتحاد الاقتصادي والفضاء الاقتصادي الموحد. وكانت تتمنى روسيا أن تنضم أوكرانيا إلى هذه الاتحادات أولا، ولكن لم يلتزم الساسة الأوكرانيون، مبررين ذلك بحجج واهية مثل التصويت في البرلمان وقداسة السيادة الأوكرانية وصعوبات أخرى.

انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي أمر قد يتحقق في المستقبل البعيد فقط، حيث أن الاقتصاد الأوكراني لا يصلح تماما للانضمام المفترض إلى الاتحاد الأوروبي. ويؤكد الخبراء الغربيون الموضوعيون الذين لم يصابوا بأعراض الثورة البرتقالية هذا الرأي.

ويجب الإشارة إلى أن روسيا لم تعارض أبدا اندماج أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي، في الوقت الذي لم يبد فيه الاتحاد الأوروبي أي حماس لانضمام أوكرانيا له، وعلى هذا الأساس يمكن فهم مغزى تصريحات الرئيس يانوكوفيتش في بروكسل بأنها مجرد حديث دبلوماسي لتبديد مخاوف الغرب من خضوع أوكرانيا تماما لروسيا، وهو حديث تتفهمه موسكو جيدا وتقبله تماما.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru