شهدت باريس يومي الثامن والتاسع من الشهر الجاري مؤتمرا وزاريا حضره ممثلو أكثر من 60 دولة حول البحث في مسألة سبل «إحياء» التكنولوجيات النووية المدنية وتعميمها في العالم.
ويأتي هذا المؤتمر قبل شهر عمليا من قمّة رؤساء الدول والحكومات التي ستنعقد في واشنطن بدعوة من الرئيس باراك اوباما يومي 12 و13 ابريل المقبل حول موضوع «الأمن النووي».
وهذا كلّه قبل المؤتمر المرتقب في شهر مايو المقبل ل«النظر» في معاهدة منع الانتشار النووي الموقعة عام 1968، وخيّم على أجواء هذه اللقاءات كلّها «الملف النووي الإيراني» الذي يشكّل البند الأول، ولو لم يكن مكتوبا، من جميع جداول الأعمال.
هذا في سياق توصّل فيه الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن الدولي ـ الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا ـ إلى الاتفاق حول سلسلة جديدة من العقوبات ضد إيران إذا لم تقبل التوقف عن تخصيب اليورانيوم في منشآتها. لكن بقيت موافقة العضو الدائم الخامس الذي تمثله الصين.
كانت الصين قد شاركت في آخر سلسلة من العقوبات الدولية التي فرضها مجلس الأمن على إيران عام 2008 وعلى التي سبقتها عام 2006. لكنها لا تزال تصرّ اليوم على القول ان «الضغوط والعقوبات لن يمكنها أن تسوّي المسألة جذريا»، حسب تصريح لوزير خارجيتها يوم 7 مارس الجاري، هذا الموقف الصيني يقوم على حسابات .
ومصالح أكثر مما يقوم على تحالفات أو تعاطف سياسي أو إيديولوجي. ولكن هذا لا يمنع واقع أن الصين تسجّل بذلك تأكيدها على سيادتها الوطنية ورفضها أن يملي عليها أحد من الخارج «المواقف» التي ينبغي عليها اتخاذها.
وتؤكّد بالسياق نفسه أنها تعارض مبدئيا منطق «العقوبات» الدولية الذي كانت قد عانت منه هي نفسها كثيرا والذي تكون الجماهير الشعبية هي أوّل وأكبر ضحاياه.
وهي تريد أن تعبر من خلال هذا عن موقف تشاركها فيه بلدان صاعدة أخرى ليس اقلّها شأنا الهند والبرازيل، ولا تريد بكين أيضا أن تكون أحد العازفين في الجوقة الغربية عامة والأميركية خاصّة. ولم تنسَ أن الرئيس اوباما قد استقبل قبل فترة وجيزة، رغم تحذيرها، الرئيس الروحي للتيبت الدالاي لاما. ولا يغيب عن القادة الصينيين أن واشنطن تلعب باستمرار ورقة تايوان وتزوّدها بالسلاح وتضمن أمنها في الوقت الذي يرون فيها جزءاً لا يتجزأ من الوطن ـ الأم، الصين.
وأخيرا، وقبل كل شيء، للصين مصالح عميقة مع إيران التي تحتل اليوم المرتبة الثالثة بين مصادر تزويدها بمواد الطاقة بعد السعودية وأنغولا. وتشير إحصائيات غربية أن الشركات البترولية الصينية استثمرت ما قيمته 120 مليار دولار في إيران خلال السنوات الخمس الأخيرة. لقد ملأت الصين باختصار الفراغ الذي تركته الشركات الغربية. ولا يخفى على أحد كم هي حيوية مسألة الطاقة بالنسبة للصين اليوم... وأكثر حيوية غدا.
لكن من الواضح بالمقابل أن معسكر فرض عقوبات جديدة على إيران جدّي في مواقفه وأنه يتعامل مع الملف النووي الإيراني على أنه رهان استراتيجي في منطقة مفصلية عالميا على صعيد الطاقة مثل الشرق الأوسط؛ ومنطقة يتم التأكيد أن فتح مضمار سباق التسلح فيها يهدد استقرارها.
ومنطقة فيها إسرائيل التي لا يتم التعرّض لذكر سلاحها النووي ولا يتحدث عنها أحد سوى من باب إمكانية قيامها بضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية بـ «مبادرة فردية». الغرب عندها سوف يقف بالتأكيد وراءها مباشرة وآليا. هذا ما يدركه الجميع ولا يصرّح فيه إلاّ القلّة.
الغربيون، بعد حصولهم على موافقة روسيا على العقوبات المقترحة الجديدة، يركزون اليوم جهودهم ويستخدمون جميع الوسائل «ترهيبا وترغيبا» لإقناع الصين التي تجد نفسها أمام خيار صعب. عين على مصالحها مع إيران وعين على العلاقات مع الولايات المتحدة، رغم الغيوم الكثيرة في سمائها، ومع الغرب عامة، سوقها الرئيسي. هذا إلى جانب حرصها على تجنّب عزلتها الدبلوماسية دوليا.
أمام مثل هذا الوضع من المرجّح أن الصين سوف تبذل قصارى جهدها من أجل تأخير الإجراءات العقابية ضد إيران إلى أقصى ما يمكن. وليس تأخيرها فقط، ولكن أيضا محاولة تعديلها باتجاه تخفيفها كشرط لـ «تمريرها».
ومما يسمح لها بالتراجع دون حرج كبير وبعد أن تكون قد أثبتت صداقتها لإيران وعززت بالوقت نفسه مصالحها، والصين، مثل الغرب ومثل بلدان المنطقة وكل العالم، لا تريد إشعال حريق لا أحد يعرف إلى أين يمكن أن تمتد ألسنة لهبه.
كاتب سوري ـ باريس