من باب التقدير لدور المرأة الحيوي والأساسي في كل المجتمعات كان تكريس يوم الثامن من آذار يوما عالميا للنساء يتذاكر فيه الجميع نضالات المرأة للتخلص من الأفكار المسبقة، والقيود التي حالت في كثير من الأحيان دون ممارستها لحقوقها كإنسانة ومواطنة. ويعود السبب الى سوء الفهم وعقلية التحكم والمفاهيم العشائرية البالية التي تفضل الذكر على الأنثى، لا لشيء سوى القوة العضلية للرجل في زمن لم تعد لتلك القوة ذلك التأثير مع دخول التقنيات والمخترعات الحديثة والآلات التي سهلت أداء كافة المهن، حتى تلك التي كانت تعتبر حكرا على الرجال.

وليس في المفهوم المعاصر للإسلام ما يمنع احترام دور المرأة واتاحة الفرص أمامها لمشاركة الرجل في بناء المجتمع على كافة الصعد. وكانت النساء في العهود الاسلامية الأولى يقمن بأهم الوظائف ويتحملن أثقل المسؤوليات. بل كانت منهن المقاتلات في ساحات المعارك، ومنهن خولة بنت الأزور ورفيقاتها اللواتي شاركن في معركة اليرموك. وقبل ذلك وفي عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كانت النساء يداوين الجرحى، وإحداهن دافعت عن الرسول في غزوة أحد. ولا تنقصنا الأمثلة على احترام الاسلام النقي للمرأة، وتكفي التوصيات العديدة التي وردت في القرآن الكريم والحديث الشريف. فلا فضل للرجل على المرأة ولا فضل للمرأة على الرجل، لأن كلا منهما يكمل دور الآخر، ولا حياة للمجتمع ولن يحلق في سماء التقدم دون جناحيه فاذا ضعف احدهما او انكسر ظل المجتمع مهيض الجناح متخافا عن سائر المجتمعات والأمم.

"ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن" ومن هذا المفهوم الحضاري المتقدم في هذه الآية الكريمة ومن قول الرسول (ص) :"النساء شقائق الرجال" يجب أن تنطلق التحركات الرامية لتحسين وضع المرأة وتمكينها، بدلا من المفاهيم والمصطلحات الغربية. ولعل الظروف الاحتلالية التى تضغط على رقاب ابناء شعبنا تجعلهم يلفظون أمثال تلك المصطلحات الوافدة :فتقدم المرأة رهن بالوعي الاجتماعي العام وليس بالمعارك المفتعلة المطبقة في ديار الغرب التي تنشر الحزازات داخل الأسر والمجتمعات. وهي نظريات وافكار لا تنسجم مع واقعنا ولا تليق بعاداتنا وتقاليدنا، بل هي وصفة مؤكدة للتمزق الاجتماعي، وجراح جديدة تضاف الى جراح الاحتلال والانقسام النازفة في جسم المجتمع.

ومن المؤكد أن لدى مجتمعنا من المناعة ما يمكنه من رفض افكار من هذا القبيل، وإضاعة الجهود والطاقات في الجري وراء هذه الشعارات، في الوقت الذي يمكن فيه القيام بحملات لتعزيز وحدة الأسرة الفلسطينية، ونشر الوئام والمحبة داخلها والعمل الهادىء لتمكين العنصر النسائي من أداء دوره وفقا للمفاهيم العربية والاسلامية، بدلا من ادارة الظهر لهذا التراث الحضاري العظيم ومناصبته العداء.

كل المجتمعات الشرقية، بما فيها الصين والهند واليابان، حققت تقدم المرأة انطلاقا من تراثها القومي، واستفادت من الأفكار الخارجية التي لا تتناقض مع هذا التراث الذي هو جوهر الشخصية الوطنية. أما حين يشطب التراث القومي فسيتحول المجتمع الى كيان خال من الروح هلامي الشكل، وفي طريقه للتلاشي والذوبان وهذا ما لا يريده أحد من المخلصين للمجتمع والوطن والشعب.

فتحية للمرأة الفلسطينية في يومها المتميز بنضالها، وكفاحها من أجل وطنها ومجتمعها. المرأة الفلسطينية التي ترتبط بتاريخ شعبها وأمتها، وتستلهم تراثهما الحضاري والروحي للمحافظة على تماسك العائلة الفلسطينية والوطن الفلسطيني. هناك قضية للمرأة في مختلف انحاء العالم تستحق النضال، لكن قضية التحرر وانهاء الاحتلال تجمع الفلسطينيين جميعا، رجالا ونساء على التكاتف والتضامن لتحقيق التطلعات الوطنية الفلسطينية المشروعة. وهذه هي الرسالة االملقاة على عواتقنا جميعا، مع كل التحية والتقدير للمرأة الفلسطينية، أما وأختا وزوجة ومواطنة، في كل أرجاء وطننا الحبيب، وحيثما وجدت في مختلف المنافي ودول الشتات.