لماذا يرفض اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي يمثله على المستوى السلطوي بنيامين نتنياهو، قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة والاستقلال؟
هذا الرفض ينبثق من نبذ قادة اليمين الإسرائيلي مبدأ «حل الدولتين»، كصيغة نهائية لتصفية النزاع طويل الأجل بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
فما يسعى اليمين الإسرائيلي إلى تحقيقه، هو أن يكون الشعب الفلسطيني جزءاً لا يتجزأ من كيان دولة موسعة وكبرى خالصة للشعب اليهودي، بحيث يكون الفلسطينيون في هذه الدولة اليهودية مواطنين من الدرجة الثانية، بحكم الدستور والقانون.
ووفقاً لهذا التصور، فإن الدولة اليهودية الكبرى تمتد رقعتها، لتشمل أرض الضفة الغربية بأكملها وغور الأردن، أي «دولة من البحر إلى النهر».
جمهورية جنوب إفريقيا، القائمة على مبدأ الفصل العنصري بين البيض المنحدرين من أصول أوروبية والسكان الأصليين من السود الأفارقة، هي النموذج المحبذ الذي يسعى اليمين الإسرائيلي إلى تطبيقه. هذه هي صيغة حل الدولة الواحدة.
لكن هناك من يرون أن تطبيق هذه الصيغة بعد ضم أرض «يهودا والسامرة» ـ أي الضفة الغربية ـ سوف يعني بداية النهاية للشعب الإسرائيلي اليهودي. من بين هؤلاء قيادات فكرية وسياسية من يهود أميركا أنفسهم، ومن أشهرهم الأكاديمي هنري سيغمان.
لقد تلاشت جنوب إفريقيا العنصرية خلال النصف الأول من تسعينات القرن المنصرم، ليس فقط بسبب انتصار الثورة النضالية المسلحة بقيادة «حزب المؤتمر الإفريقي» وزعامة نيلسون مانديلا، وإنما أيضاً بسبب المقاطعة الغربية والعالمية على مدى سنين لذلك النظام، الذي كان يتخذ من التمييز العنصري المرتكز الأساسي لجهاز الحكم.
الآن تشهد الحركة اليهودية داخل الولايات المتحدة تمرداً سياسياً ضد اليمين الإسرائيلي المتطرف، باعتبار أن زعاماته تقود دولة اليهود الإسرائيلية إلى مصير الهلاك. ورغم أن هذه الحركة تتنامى حالياً في هدوء، إلا أنها تتلقى تجاوباً متعاظماً من الرأي العام في أوساط اليهود الأميركيين.
بعنوان «إسرائيل تحت النار» نشرت مجلة «ميدل إيست» اللندنية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، في هذا الصدد، تحقيقاً صحافياً مطولاً تقول فيه إن أحد التحولات اللافتة في واشنطن، هو ظهور «لوبي إسرائيلي جديد ومعتدل».
انشق عن اللوبي اليهودي التقليدي في الولايات المتحدة الذي يطلق عليه «أيباك» (اختصاراً لاسم اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة) والذي يدعم اليمين الإسرائيلي المتطرف.
هذا هو التنظيم الذي نجح منذ خمسينات القرن الماضي في قمع أي انتقاد لإسرائيل داخل الكونغرس الأميركي، وفي دعم المؤسسات الإعلامية الأميركية، بقدر نجاحها في دفع الشخصيات الموالية تماماً لإسرائيل إلى مراكز السلطة العليا في واشنطن، مثل أعضاء مجموعة «المحافظين الجدد» التي كانت تهيمن على تسيير إدارة جورج بوش الابن.
اللوبي المتمرد الجديد يطلق عليه «جي ستريت»، ومن الوهلة الأولى لظهوره إلى الملأ، أعلن صراحة وقوفه ضد أيباك وفلسفته القائمة على مبدأ «نصرة إسرائيل ظالمة أو مظلومة».
وبطبيعة الحال، أخذت أيباك تشن حرباً سياسية وإعلامية ضد التنظيم الوليد. وعلينا أن ننتظر لنعرف إلى أي مدى سوف تنجح جهود أيباك في تدمير هذا التنظيم، والحيلولة دون استمرار نمو نفوذه داخل الكونغرس.
ولكن في المقابل تتسع دائرة التأييد لحركة «جي ستريت» بين أوساط اليهود الشباب، الذين يمثلون أجيال ما بعد «المحرقة»، ويعارضون بشدة دعم أيباك للتيار اليميني المتطرف في إسرائيل.
ومما تطرحه الحركة؛ رفضها مشروع الدولة اليهودية الكبرى الموسعة، وبالتالي فإنها تدعم صيغة الدولتين، بما يعنيه ذلك من خلق دولة فلسطينية مستقلة تتعايش جنباً إلى جنب مع إسرائيل.
كما أن الحركة تؤيد اقتسام القدس بين الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، وإشراك حركة «حماس» في أي مفاوضات. ومما يلفت الانتباه أن قيادات اليمين الإسرائيلي تشن بدورها حملة ضد «جي ستريت»، بغرض تشويه صورتها أمام الرأي العام الأميركي.
يقول الأكاديمي اليهودي الأميركي سيغمان؛ إن الدافع الأساسي لحركة التمرد اليهودية في الولايات المتحدة، ليس التعاطف مع قضية الشعب الفلسطيني بقدر ما هو الخوف على مصير دولة اليهود الإسرائيلية، بسبب اقتداء اليمين الإسرائيلي بنموذج جنوب إفريقيا العنصرية.
ففي حالة تطبيق هذا النظام التمييزي العنصري، فإنه سوف يفقد إسرائيل تأييد الغرب والعالم، كما جرى لحكم البيض في جنوب إفريقيا، ما أدى في نهاية المطاف إلى انهيار ذلك النظام.
والسؤال الذي يطرح عند هذا المنعطف، هو: ماذا ينبغي أن يكون عليه موقف الحركة الوطنية الفلسطينية، تجاه الهدف الاستراتيجي لتيار اليمين الإسرائيلي القائم على رفض «حل الدولتين» وتبني صيغة الدولة اليهودية الكبرى؟
إن على القيادات الفلسطينية أن تعيد قراءة نهاية حكم نظام البيض العنصري في جنوب إفريقيا، لتدرك أولاً أن انهيار هذا النظام لم يأت كنتيجة للضغط الغربي والعالمي فقط، وإنما تحقق بالدرجة الأولى بسبب الثورة الداخلية المسلحة، التي لولاها لما تحرك الغرب والعالم.
كاتب صحافي سوداني