ربما لا توجد علاقة شائكة ومعقدة مثل علاقتنا بالأطباء، فهي علاقة غير مرغوب فيها بالأساس، كما أنها تتسم بالاحتياج والضعف، وأخيرا، وفي ظل الطب الحديث، فإنه لا بديل أمامنا سوى التعامل معهم، فمن غير الأطباء مسموح له بالتعامل مع الجسم البشري والتنقيب فيه!
فإذا سألت أي فرد عن الأطباء، فإنه يبادرك بالقول حال تمتعه بصحة جيدة، إنه لا يحب التعامل معهم ويتمنى عدم الذهاب إلى المستشفيات إطلاقا. أما إذا كان مريضا، وخصوصا بتلك الأمراض التي تستدعي المتابعة، فإنه يبادرك بمشاعر «الزهق» والضيق من تناقضات الأطباء وآرائهم المتضاربة.
وسواء أخذنا بنصائح المحيطين بنا حول بعض الوصفات الشعبية أو المتعارف عليها، أو حتى أصبحنا أطباء أنفسنا ونظمنا حياتنا بدرجة أو بأخرى، فإنه لا بديل عن الأطباء في حياتنا المعاصرة.
وإلا ما فائدة هذه الجامعات والتخصصات، وكل هذه الإعلانات حولنا عن مهاراتهم والمكانة العالية التي وصلوا إليها من خلال التعلم والتدريب فينا، ناهيك عن شهادات البورد من مختلف أرجاء المعمورة!
وبشكل عام، فإن الطبيب يحوز على أرفع مكانة مهنية في المجتمعات العربية، إلى الحد الذي كان يُعرف في الكثير من المجتمعات العربية في بداية ظهور المهنة بـ «الحكيم».
فالطبيب لديه من المعرفة المهنية ما يمكنه من التعامل مع أرقى صنائع الله سبحانه وتعالي، ألا وهو جسم الإنسان. من هنا فإن المرضى بشكل عام، يُجلون الأطباء ويوقرونهم ويتقبلون نصائحهم، بوصفها الحكمة المُنجية لهم من وطأة الألم والخوف من المجهول.
ورغم هذه الصورة المثالية المرتبطة بالأطباء، فإن المهنة مثلها مثل أي شيء آخر في عالمنا العربي، أصابها الكثير من التحولات التي نأت بها عن التصورات المعهودة والعلاقات الإنسانية التي تربط بين الطبيب والمريض.
فالطبيب في النهاية ابن للمجتمع الذي يوجد فيه، ونتاج لمصفوفة القيم الحاكمة لمجمل الأنشطة المختلفة، من صحة وتعليم وصناعة وزراعة وتجارة. من هنا فإن أية أحكام على الأطباء، لا بد أن تضعهم في سياق البنية التي ينتمون إليها، كما أنها يجب أن تتسم بالموضوعية وتبتعد عن الصورة المثالية التي يرسمها البعض لهم.
فالطبيب مثله مثل أي فرد في المجتمع، لديه متطلبات شخصية وعائلية، كما أنه مثل غيره من الأفراد، لديه همومه الذاتية التي قد تؤثر على مسار عمله وما يرتبط بذلك من نتائج سلبية.
لقد وصلت تحولات المكسب والخسارة المستشرية الآن في عالمنا العربي، إلى عالم الطب، فالكثير من الدول قامت بعمليات خصخصة واسعة النطاق لمؤسساتها الصحية، وأطلقت يد القطاع الخاص بشكل غير مسبوق. وهو أمر أدى لتحول قطاع الصحة لمشروع تجاري في الأساس، بغض النظر عن مدى المهنية والأخلاقية المرتبطة بذلك.
لا يعني ذلك أن تتحول المشروعات الصحية إلى مشاريع خيرية في الأساس، لكنه يعني ضرورة المواءمة بين طبيعة القطاع الصحي المرتبطة بحياة البشر، وتحقيق الأرباح بدون مغالاة واستغلال.
وعلى ما يبدو فإن نهم أصحاب المشروعات الصحية الخاصة ورغبتهم في تعظيم الأرباح، قد انتقل بشكل واسع النطاق للأطباء الجدد، المرتبطين بخصخصة الطب وتحوله لمهنة لا تختلف عن أية مهنة أخرى. فالطبيب مطالب في النهاية وفقا لهيمنة عقلية التربح.
أن يجذب أكبر عدد من المرضى للمستشفى الذي يعمل فيه، وترتبط بذلك مكاسب أخرى، سواء أكانت ضرورية أم غير ضرورية، ترتبط بالتحليلات والفحوصات والمغالاة في صرف أدوية عديدة، بمناسبة وغير مناسبة.
ومن خلال ملاحظات شخصية، إضافة لشكوى الكثيرين من الأقارب والأصدقاء، يبدو انخراط الكثير من الأطباء في هذا التوجه الربحي واضحا، وبدرجة كبيرة ومشينة في الوقت نفسه.
فبعض الأطباء يعمدون في الكثير من الأحيان، إلى إجراء كافة الفحوصات للمريض، سواء ذات العلاقة بحالته أو التي لا تمت لها بصلة. وهو تصرف لا أخلاقي على مستويين؛ فهو أولا يستنزف أموال المريض في ما لا طائل له، وثانيا يضع المريض في حالة من الخوف الذي يزيد من أعبائه المرضية ويزيد من تبعيته للطبيب وخضوعه له.
وهى مسألة يستعذبها بعض الأطباء، ويضمنون من خلالها زبائن لهم. اللافت للنظر أن بعض الأطباء يطلبون هذه الفحوصات ولا يخبرون المرضى بنتائجها، بل إنهم قد ينسون أصلا أنهم قد طلبوها منهم.
وبسبب الاعتماد المفرط على الفحوصات المختبرية، فإن الكثير من أطباء هذه الأيام قد نسوا أو تناسوا الفحص الذي يقومون به للمريض. فقد كان الطبيب في السابق يفحص المريض بيديه، أما الآن فالفحوصات هي الباب الملكي للعلاج وتضخم فاتورة الحساب.
والغريب في الأمر أن نتائج الفحوصات ذاتها تأتي متضاربة من مختبر لآخر ومن تفسير لآخر، ليقع المريض فريسة الأخطاء والاستغلال البشع. إضافة إلى ذلك، يصعب أن يخرج المريض من أي من العيادات والمستشفيات الخاصة، دون أن يحمل كيسا ممتلئا بمختلف أنواع الأدوية.واللافت للنظر أن كمية الدواء المصروفة للمريض، تتجاوز بكثير مدة العلاج المقترحة من قبل الطبيب!
يمكن للمرء أن يتقبل سيادة عقلية الربح في الكثير من الأنشطة بما فيها التعليم، لكن ما يصعب قبوله هو أن يصل الأمر لصحة الإنسان والتلاعب بها. وهي مسألة تحتاج من الأطباء لتوجهات قيمية إنسانية جديدة، تبتعد بهم عن سيادة عقلية الربح المخيفة السائدة الآن. نسأل الله الصحة والعافية، والبعد عن الأطباء!
كاتب مصري
