هل المرأة مظلومة، أم هي ظالمة؟ سؤال يطرح نفسه سنوياً في الثامن من مارس من كل عام، اليوم العالمي للمرأة، وبشكل يدعو إلى التساؤل، هل هو شعور الرجل بعقدة اضطهاد الطرف الآخر، أم أنه تلاعب لجعل الطرف الآخر يشعر بالقوة وهو الضعيف على مدى التاريخ؟!

كانت هي الجبروت على مدى التاريخ، فهي التي أخرجتنا من الجنة إلى عذاب الدنيا، أليست تلك التي تهجر من جانب وتشعل النار من جانب آخر؟ أليست تلك التي هزمت شمشون الجبار، وكسرت فحولة جلجامش، وهي التي هزت عروش الملوك من جهة أخرى؟

تعود الذاكرة إلى شجرة الدر، وإلى غيرها ممن تحكمن في مصير الشعوب، وهنا يبرز نموذج انطوانيت التي اعتقدت أن البسكويت يسكت الثورة لدى الجياع في فرنسا، أو غيرها من النساء اللاتي نظرن إلى الأمور نظرة سطحية، تنم عن سذاجة بعيدة عن الواقع المؤلم للشعوب.

إن العلاقة بالمرأة، سواء الأم، أو الابنة، أو العشيقة، يجعل الإنسان في حيرة من أمره في العلاقة بهذه الإنسانة، فهي التي حمت ودافعت عن حاملي التغيير في العالم، وهي التي أنهت حياة إنسان جبار كان من الممكن أن يغير العالم، وهي التي وقفت مع ذلك الذي غير العالم..

ولا يزال التاريخ يذكر تماماً كيلوباترا، تلك الإنسانة التي دخلت التاريخ بقوة الشخصية، وبدافع وطني ذي شفافية في الدفاع عن الوطن، ويذكر الملايين المسلمين والمسيحيين في العالم، السيدة العذراء التي حمت رسول الديانة الثانية في المجتمع الإنساني.

وبلا شك يتذكرون جيداً السيدة عائشة وغيرها من النساء، ممن كان لهن دور في حياة الأمم. ولعل الجميع يتذكر رواية «الأم» لمكسيم غوركي، وعذابات الأم الهندية التي صارت رمزاً للإنسانية الصامدة ضد الاضطهاد وقمع الإنسان لأخيه الإنسان.

ومن هنا، فإن الإنسان يظل طفلاً إلى أن تموت أمه، وهنا يدخل في مرحلة الموت والشيخوخة.. إن العلاقة بين الأم وأبنائها، هي علاقة بين الحياة والموت، فهي الشجرة الوارفة الظل، التي تحمي أغصانها من كل الأخطار، ولعل من المفيد أن يتذكر الجيل الجديد فيلم «الأم» الهندي الذي رسخ قيمة الحياة من خلال الأم.

ومن هذا المنطلق، فإن تكريم سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك هو ترسيخ لهذه القيمة، فهي التي قامت بعمل جبار في ترسيخ قيم الوفاء، والدعوة إلى خدمة الوطن والمواطنين، من خلال متابعة هموم المواطنين، وخاصة المرأة.

وهي التي عاشت مع ذلك الأب القائد الذي آمن بأهمية الإنسان، وبنى نهضته، واستثمر فيه أفضل استثمار، لأنه أداة البناء والتنمية في هذا الوطن. ومن هنا فإن أولئك الأشبال كانوا ولا يزالون امتداداً للأم، التي تؤمن بأن الوطن هو حماية الأبناء.

إن التفكير بيوم المرأة العالمي، هو ترسيخ لأن الحياة مصدرها الأم، وهي التي تحمي الوطن والإنسان، من دون النظر إلى الأصل أو العرق أو الدين، وهي التي حافظت على أهمية مشاركة المرأة في الحياة العامة، من دون النظر إلى أية أشياء أخرى.

ألا يحق لنا أن نكرم أم الإمارات في هذه المناسبة؟ من خلال خبرتي مع كثير من أبناء هذا الوطن وكثير من المواطنين من دول العالم الأخرى، أؤكد أنهم يحترمون هذه الإنسانة ويعتبرونها مثالاً يحتذى بما قدمته لوطنها وللإنسانية جمعاء.

إن اليوم العالمي للمرأة، يعيد إلى الذاكرة تلك الرائدات في العمل الاجتماعي والتطوعي، فقد رحلت عنا المرحومة روضة عبد الله المطوع، تلك التي آمنت بدور المرأة الإنسانة في المجتمع، منذ ستينات القرن الماضي.

وهناك عائشة السيار، وأمينة بوشهاب التي وقفت إلى جانب ذلك الإنسان الرائع غانم عبيد غباش، والشيخة صنعاء بنت مانع بن راشد، والسيدة الفاضلة الشيخة أم مكتوم، وجميع الأمهات اللاتي تحملن مسؤولية الأسرة في مرحلة النهوض.

إن المرأة في الإمارات قبل الاتحاد وبعده، قامت بدور جبار في حماية الأسرة، ولذلك فإن إعطاء الدور الحيوي في مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمرأة، هو عرفان بدور هؤلاء الرائدات اللاتي ساهمن بدأب ونشاط وبكثير من التضحية.

وتحملن متاعب الريادة والمبادرة ليسهمن في استمرار الحياة في هذا المجتمع، حينما كانت المرأة تقوم بدور الأب والأم، والمواطنة في المجتمع، وكانت حصة العسيلي من رواد العمل الإعلامي، على الرغم من كل ضغوطات القيم التقليدية. فهل نقدم لهن ورود الحب والعرفان بالجميل في يوم المرأة العالمي؟

إن دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، ستتابع مسيرة النهوض بالمرأة وإشراكها في جميع أنشطة المجتمع، وسيسيران بها لتحتل أفضل المواقع، ولتشارك في صنع القرار، إذ من المؤكد أنهما من أشد مناصري المرأة في المنطقة.

في الإمارات كانت بداية تبوؤ المرأة المناصب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن هنا فإن تكريم المرأة هو اللبنة الحقيقية لمجتمع يحترم الإنسانية.

ويحترم تلك اليد الحانية التي نظل نشتاق إلي حنانها مهما تقدم بنا العمر.. فتحية وفاء إلى المرأة الإماراتية، وكل التقدير لراعية مسيرة المرأة الإماراتية، الأم العظيمة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك.

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»

almutawa_mohammed@hotmail.com