بالرغم مما هو معروف ان اسرائيل اعتادت، ومنذ سنوات عديدة على انها تلجأ الى اسلوب التصعيد، المخطط والمتعمد، كوسيلة لعرقلة اية جهود يمكن ان تفتح الطريق الى تسوية تحتاج منها بالضرورة إلى القيام بخطوات عملية للانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، إلا ان عمليات التصعيد الاخيرة التي قامت بها اسرائيل عشية الموافقة العربية الجماعية تقريبا على دخول الفلسطينيين في مفاوضات غير مباشرة مع اسرائيل، لا بد وان تثير الانتباه والحنق والادانة بكل التعبيرات والأساليب.
من المؤكد ان الأمر لم يكن مصادفة، او تطورا فرضته الظروف، او تصاعد الأحداث مثلا، كما قد تدعي اسرائيل او اي من مسؤوليها، ليس فقط لأن عملية اقتحام باحات المسجد الاقصى من جانب قوات اسرائيلية واشتباكهم مع المصلين الفلسطينيين وجرحهم للعشرات منهم، سبقه قيام السلطات الاسرائيلية بضم كل من مسجد الخليل ابراهيم في مدينة الخليل، ومسجد بلال بن رباح في مدينة بيت لحم الى التراث اليهودي، وهي عملية قرصنة تراثية وثقافية مفضوحة على كل المستويات، وربما كانت اسرائيل تخشى حدوث احتجاجات فلسطينية دعت اليها بعض التنظيمات الفلسطينية، فارادت اجهاضها حتى ولو من خلال الاقتحام الهمجي لباحات المسجد الأقصى.
ولكن الأمر لم يكن مصادفة ايضا لأن حكومة بنيامين نتانياهو اختارت ان تقوم بخطوة اخرى تصعيدية، لاحقة لذلك، وهي الاعلان عن انشاء 112 وحدة استيطانية جديدة، ضاربة عرض الحائط بالانتقادات الدولية لعمليات الاستيطان الاسرائيلية في القدس المحتلة وغيرها من الاراضي الفلسطينية التي تحتلها اسرائيل.وبذلك تكون هناك سلسلة مواقف وخطوات متنوعة ومتتابعة تصب كلها في اشعال الأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين.
اما من حيث التوقيت، فإن الأمر يزداد وضوحا، لأن تلك الخطوات التصعيدية تزامنت مع بدء جورج ميتشل مبعوث الرئيس الاميركي للسلام في الشرق الاوسط لجولته الحالية في المنطقة من ناحية، كما تزامنت كذلك مع القبول العربي بمفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين واسرائيل تستمر اربعة اشهر، وهو ما يعني بوضوح ان حكومة نتانياهو التي رحبت بقرار وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم في اطار جامعة الدول العربية، تعمدت القاء الماء البارد على كل الأطراف ليس لاحباطهم فقط، ولكن لتبديد اية توقعات لديهم بامكانية ان تمتثل اسرائيل للارادة الدولية ولمتطلبات السلام بوقف الاستيطان والسماح لعملية السلام بالانطلاق مرة اخرى.
علي اية حال فانه اذا كانت اسرائيل لا ترى في المشهد الراهن ما يدفعها لوقف الاستيطان، او للتخلي عن الأراضي العربية التي تحتلها، وذلك بسبب الخلافات العربية الراهنة، والانقسامات المستمرة والمتجددة بين الفلسطينيين، الا ان استمرار هذا الموقف المنتهك لكل القوانين والاعراف والمواثيق الدولية من شأنه ان يفتح المجال واسعا لمضاعفات خطرة لا يمكن إلا ان تعرض المنطقة لمخاطر حقيقية في الفترة القادمة.
وفي حين تتزايد اهمية وضرورة حمل اسرائيل على الالتزام بقواعد القانون الدولي واجبارها على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، سواء بضغط جماعي دولي عبر الأمم المتحدة ومختلف الهيئات الدولية الاخرى، او من خلال ضغط امريكي وغربي ثنائي، ومتعدد الاطراف ايضا، فان مسؤولية تقع على عاتق الدول والمنظمات العربية ايضا تتمثل في ضرورة العمل من اجل تغيير ملامح الواقع العربي الراهن، وفي المقدمة منه الواقع الفلسطيني، لأن اسرائيل لن تبدأ في التحرك على طريق السلام بشكل حقيقي، مالم تقتنع وترى ان الاوضاع الفلسطينية والعربية آخذة في السير في الطريق الصحيح الذي يفضي إلى تجاوز حالة التدهور الراهنة، والعودة إلى الاقتراب على الاقل من استعادة زمام المبادرة مرة اخرى.
وحتى يقترب العرب والفلسطينيون من ذلك فإن مسؤولية كبيرة يتحملها المجتمع الدولي ومنظماته المختلفة، ودوله المؤثرة وفي مقدمتها الولايات المتحدة لحمل اسرائيل على افساح المجال لأن تتمكن جهود السلام المبذولة من السير خطوة او بضع خطوات على الطريق الصحيح. فهل ستتمكن الدول العربية من تحقيق ذلك. صحيح ان تأييدها للمفاوضات غير المباشرة كان خطوة ذات دلالة، ولكن الصحيح ايضا هو ان الأهداف لا تتحقق بمجرد التمني.
