في تناولنا للحالة السودانية الحاضرة وأزمة السودان المصيرية، ذكرنا من قبل بعض جوانب هذه الحالة، ونستكمل هنا اليوم بقيتها..

أ ـ فيما يتعلق بالحرب الأهلية، فإن التوجه الجديد حولها لحرب جهادية، فتح الباب للحركة الشعبية لدعم إقليمي في القارة ودولي من كل من أزعجه النداء الجهادي.

ب ـ عوامل الاستقطاب المضاد الداخلية، والإقليمية، والدولية، جعلت النظام يتراجع، فأبرم مع الحركة الشعبية اتفاقية سلام بمواصفات أميركية، وتحت رعاية إفريقية.

اتفاقية أوقفت الحرب بين القوات المسلحة السودانية، والجيش الشعبي، ووضعت التحول الديمقراطي في أجندة البلاد. ونصت على فترة انتقالية لبناء السلام، وإعطاء أولوية للوحدة في استفتاء الجنوب في عام 2011.

لكن أولوية الوحدة أبطلتها الحقائق الآتية:

ـ قسم بروتوكول ماشاكوس البلاد على أساس ديني: شريعة في الشمال وعلمانية في الجنوب، فقنن الانقسام.

ـ خصص للجنوب 50% من نفطه، بدل نسبة نصيب الجنوب من الثروة للثروة القومية، فخلق ذلك حافزاً لانفصال الجنوب واحتفاظه بكل نفطه.

ـ الحزب الحاكم في الشمال وسياسة الولايات المتحدة يقفان على طرفي نقيض، والنتيجة أن السياسية الأميركية نحو السودان مشتبكة في عداء متبادل مع الحزب الحاكم «الشمالي»، ومودة متبادلة مع الحركة الشعبية.

هذه العوامل الثلاثة، بالإضافة لفجوة الثقة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية التي زادها التحالف الظاهري بينهما في السنوات الخمس الماضية اتساعاً، تجعل الانفصال هو الخيار الراجح.

ج ـ كانت مشاكل دارفور المعهودة، هي: فجوة التنمية والخدمات، حدة النزاعات القبلية، النزاع حول الموارد بين أصحاب الأرض المستقرين في غرب ووسط دارفور، وبين الرعاة، ولجوء بعض العناصر للنهب المسلح.

ولكن سياسات النظام الجديد أدت لنشأة مقاومة مسلحة ضد الحكومة منذ عام 2002، فواجهت الحكومة تلك المقاومة بسياسات كانت نتيجتها واقعا سياسيا وأمنيا جديدا في دارفور، فحواه:

أولا: ظاهرة الاثنية المسيسة بصورة غير مسبوقة.

ثانيا: أحزاب سياسية: حركة تحرير السودان، وحركة العدل والمساواة، ترفع السلاح ضد الحكومة.

ثالثا: طريقة قمع تلك القوى المسلحة خلقت مأساة إنسانية بحجم غير مسبوق: حوالي 7,2 مليون نازح، وأكثر من 250 ألف لاجئ، وآلاف القتلى.

رابعا: دخول الأمم المتحدة طرفاً في الشأن السوداني تحت الفصل السابع من ميثاقها، لأول مرة في تاريخ السودان منذ الاستقلال، والنتيجة: القرار 1593 لإحالة الجرائم المرتكبة في دارفور للمحكمة الجنائية الدولية، وقرارات أوجبت دخول قوات يوناميد لحماية المدنيين في دارفور.

قرارات الأمم المتحدة بشأن السودان، وقوات الأمم المتحدة في السودان، وكثرة الإغاثات الدولية في السودان، ومساءلة الجنائية الدولية قيادات سودانية، عوامل ظهرت لأول مرة في السودان منذ استقلاله، وهي دلائل الوصاية الدولية على السودان.

د ـ بترول السودان اكتشف في 1983 وبدأ استغلاله 1999. ومثلما أدت اتفاقية السلام إلى عكس مقاصدها، فإن نعمة البترول التي أدخلت للبلاد في عشر سنوات 50 مليار دولار، أصابت البلاد بلعنة البترول، وبيانها:

ـ مضاعفة الصرف الحكومي ثلاثين ضعفاً في عشرة أعوام، دون مبرر حقيقي.

ـ التركيز على الصرف السيادي، والأمني، والعسكري بما يساوي 71% من الميزانية، بدليل الميزانيات المعلنة وآخرها ميزانية 2010.

ـ إهمال الموارد المتجددة الزراعية والصناعية.

ـ إهمال التنمية البشرية، بدليل أن الصرف على الصحة والتعليم معاً أقل من الصرف على البند السيادي.

ـ سياسة التمكين صنعت طبقة طفيلية فاحشة الثراء. هذه الحقيقة، مع تصفية دولة الرعاية الاجتماعية التي كانت توفر مجانية التعليم والصحة، أدتا إلى زيادة نسبة الفقر في البلاد، رغم زيادة إيراداتها المالية.

هـ ـ ها هو السودان يقف على عتبة انفصال جنوبه، واشتعال غربه دون أمل حقيقي الآن في إطفائه، ومواجهة مع المحكمة الجنائية المسنودة دولياً. ويقف السودان محملاً بالتركة المتراكمة المفصلة هنا.

ويتطلع كثيرون لأن تضع الانتخابات القادمة حداً سلمياً للصراع على السلطة، وأن يحقق الاستفتاء المزمع نهاية للحرب بين الشمال والجنوب. ولكن أمام هذا الأمل أربع عقبات:

الأولى: الانتخابات القادمة دون ترشيد يؤمن نزاهتها وحريتها، سوف تكرر السيناريو الكيني.

الثانية: الانتخابات دون تسوية ما في دارفور تقبلها الأحزاب المسلحة، سوف تكرر السيناريو اليوغسلافي.

الثالثة: تقرير المصير دون حسم القضايا المختلف عليها: الحدود، النفط، المياه، المناطق الثلاث، وفي حالة الانفصال، سوف يكرر السيناريو الإثيوبي الارتري بصورة أفدح.

الرابعة: رفض التعامل مع القرار 1593 وملحقاته، سوف يعيد السيناريو البوسني.

أزمات السودان بقدر فداحتها، فرصة لحل قومي بمباركة دولية، إذا توافرت الإرادة السياسية عبر ملتقي قمة سياسية تتصدى لها.

هذا النهج القويم، يقف في طريقه ويبطله العناد والانفراد، وهما كفيلان بفجع البلاد بالسيناريوهات الأربعة.

أمامك فاختر أي نهجيك تنتهج طريقان شتى مستقيم وأعوج

رئيس وزراء السودان السابق

zakioffice@yahoo.com