لحراك الكبير الذي يشهده المجتمع السعودي، على أكثر من صعيد، منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، هيأ وقاد إلى ما تشهده الساحة السعودية اليوم من حراك فكري مدهش.
فبالمقاييس السعودية، ربما يمكن وصف هذا الحراك الجديد ببداية «ثورة فكرية» على أفكار تقليدية هيمنت على الخطاب السعودي على مدى أربعة عقود، تضافرت وتواطأت عبرها ظروف شديدة التعقيد، تداخل فيها السياسي بالديني بالاجتماعي.
حتى أسست لحالة من التراجع الثقافي الشامل للمجتمع السعودي. فإلى ما قبل سنوات قليلة، من كان يجرؤ أصلاً على مناقشة موضوع الاختلاط في الجامعات ومؤسسات المجتمع؟
ومن يتخيل أن شاباً متديناً كان والده مفتياً، يصرح في العلن بأفكار تنويرية يؤكد فيها «حق» المرأة في قيادة السيارة ويدعو لإعادة التفكير في ما يعد اليوم ضمن «الثوابت» دينياً؟ وهناك أمثلة أخرى كثيرة ومهمة، يمكن الاستشهاد بها على حيوية الحراك الفكري الراهن في السعودية.
إن ردود الفعل الواسعة في السعودية على أطروحات الشيخين السعوديين، أحمد عبد العزيز بن باز وأحمد الغامدي، والجدل الإيجابي الذي أحدثه افتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا، والمقالات الحيوية والجريئة التي تنشرها الصحافة السعودية اليوم، تشكل، في مجملها، ظاهرة ثقافية إيجابية لا بد أن تؤتي أكلها وتترك أثرها الإيجابي على حراك المجتمع السعودي.
إن مثل هذه الحوارات، مهما كانت جدلية، ومهما أفرزت من ردود فعل عنيفة، هي شرط أساسي لخروج المجتمع من «عنق الزجاجة»، الذي أبقته داخلها ثقافة أحادية اقصائية حاصرته طويلاً. وتلك الحوارات، بكل أوجهها، ليست من باب الترف الثقافي النخبوي، بل هي في صلب «الهم التنموي» السعودي.
فكيف يمكن لمجتمع كبير، ولديه من الإمكانيات الاقتصادية والبشرية ما يؤهله للتفوق، أن ينجز وهو مقيد بأفكار وآراء تعيق مشاركة المرأة أو تعطل فرص الاستثمار في الاقتصاد العالمي الجديد أو تشوه علاقة المواطن بمجتمعه أو بالآخر؟!
هنا يأتي دور «الإرادة السياسية» التي تستطيع وحدها اختصار الزمن وتوفير الوقت والجهد لإخراج المجتمع من احتكار التفسير الديني، وفق رؤية أحادية ضيقة، إلى فسحة أكبر من الآراء والاجتهادات الفقهية المستنيرة.
فالإرادة السياسية تستطيع توفير وحماية مناخ صحي للتفكير والحوار والاختلاف والجدل. وإن أردنا اليوم الخروج من أكثر من «مأزق تنموي»، فليس أمامنا سوى الاستمرار جدياً في هذا المشروع.
أمام السعوديين اليوم «فرصة تاريخية» لفهم جديد وتفكير جديد ووعي جديد. هذه «الفرصة التاريخية» مدعومة، بكل وضوح، بإرادة سياسية ربما عبرت عن مرحلة إصلاح ثمينة، يقودها ملك إصلاحي واضح جداً وعيه لخطورة «المسلمات» التقليدية التي تشكل اليوم أكبر عوائق التنمية في بلاده.
فلكل مجتمع «مواقف تاريخية» تتبناها قيادته، وتشكل نقلة نوعية في مسيرته التنموية.
لنتذكر قصة تعليم المرأة في السعودية، إذ كانت الإرادة السياسية حاميها وعرابها. فمن المآثر الكبرى الخالدة لزعيم سعودي استثنائي، الملك فيصل بن عبد العزيز، كان إقرار حق المرأة السعودية في التعليم النظامي في العام 1959.
هذا الحق لم يدخله الملك في سياق أي لعبة سياسية، بل ارتقى به فوق مجاملة التيارات المتشددة في مجتمعه، وفوق ثقافة «جبر الخواطر» في التعامل مع جبهات الرفض التقليدية داخل المجتمع.
وهكذا أسهمت الإرادة السياسية في أن يختصر المجتمع السعودي عقوداً من الجدل والاختلاف والنقاش، في مسألة «حق» المرأة في التعليم. فتأخير الحسم في الحقوق التنموية الحيوية يزيدها تعقيداً.
ولهذا فأغلب المؤشرات اليوم في الداخل السعودي، تؤكد أن الإرادة السياسية ربما دفعت بالخطوة الأخيرة في «حق» المرأة السعودية في قيادة السيارة، وذلك ليس من أجل إضفاء إثارة جديدة لما يمكن تسميته ب«ترف» فكري نخبوي ولكنه، في الواقع، لحسم مشكلة اجتماعية تنموية معقدة، بأبعادها المتشابكة في مسيرة التنمية السعودية.
إن نظرة واعية وعاقلة للتحولات التي يعيشها المجتمع السعودي والمجتمعات المحيطة به، تجعلنا ندرك أن المرأة في السعودية، لا محالة، ستقود سيارتها في بلادها، وأن المسألة هي فقط مسألة وقت.
كاتب ومستشار إعلامي