بالأدلة الملموسة الواضحة وضوح الشمس بلغ الاستفزاز الإسرائيلي المرحلة التي لا يمكن السكوت عنها عربياً على الأقل.

فبعد تدنيس المسجد الأقصى المبارك بهذا الشكل السافر وضم الحرم الإبراهيمي وقبة راحيل إلى ما يسمى التراث اليهودي، ومع بدء المفاوضات غير المباشرة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، أعلنت حكومة نتنياهو - ليبرمان العنصرية عن إقامة مشروع استيطاني جديد في الضفة الغربية المحتلة. ‏

وليس من المصادفة بالتأكيد الإعلان عن هذا المشروع الاستيطاني مع وجود مبعوث السلام الرئاسي الأميركي في إسرائيل، وقبل ساعات من وصول نائب الرئيس الأميركي إليها، فالحكومة الإسرائيلية تعمدت إظهار هذا الاستفزاز الاستيطاني والترويج له إعلامياً بوجود الأميركيين، ومع إطلاق المفاوضات غير المباشرة، كي تقول لأصحاب الشأن من العرب: هذا ما نريده، ومن لا يعجبه فليشرب البحر. ‏

واستغلال الوجود الأميركي في إسرائيل لهذه الغاية الاستيطانية هو رسالة مفادها أن الأميركيين موافقون على ذلك. ‏

وهنا يبرز التساؤل مجدداً عن جدوى وخلفيات القرار الوزاري العربي بالموافقة على المفاوضات غير المباشرة بين السلطة وإسرائيل، وتغطية هذه المفاوضات بغطاء عربي؟ ‏

وما حاجة العرب كذلك إلى تقديم هذا (العطاء) لإسرائيل، على الرغم من علمهم المسبق أن حكومة نتنياهو ستردّ عليهم بالطريقة الاستفزازية ذاتها، وبالشكل الذي يصورهم أنهم لا حول لهم ولا قوة؟ ‏

العرب كلهم والفلسطينيون في المقدمة متأكدون أن حكومة نتنياهو لا ترفض السلام فحسب بل لا تطيق مجرد الحديث عنه، بدليل ما تفعله على الأرض من تهويد واستيطان، وما تعلنه على الملأ من أولويات لا يندرج السلام في إطارها. ‏

والعرب متأكدون كذلك أن الإدارة الأميركية، وهي راعية المفاوضات غير المباشرة، لم تقدّم أي ضمانات سوى تلك المتعلقة بدعم الموقف الإسرائيلي في هذه المفاوضات، وقد بلّغت ذلك السلطة الفلسطينية وبعض العرب. ‏

إذاً هناك خلل واضح في الموقف العربي حتى لا نقول كلاماً آخر، وهناك معرفة مسبقة بسقف هذه المفاوضات ونتائجها، ومع ذلك كان هذا (العطاء) العربي لإسرائيل. ‏

وبالقياس، يبدو من غير المفاجئ أن تردّ إسرائيل بهذه الطريقة الاستفزازية التي تحرك الأحجار، وأن تبدأ بالإعداد لمطالب بل تنازلات جديدة من العرب وبوسائل استفزازية جديدة، كذلك لن يطول الوقت على ما يبدو حتى يسمعها العرب أو يشاهدوها. ‏

إسرائيل لا تريد السلام مع العرب ما داموا على هذه الحال من اللامبالاة، هذا واضح ومعلن، والإدارة الأميركية لم تقرّر بعد، ومن الممكن ألاّ تقرر العمل بجدية من أجل سلام حقيقي في المنطقة، فليدرك من لم يدرك بعد.‏