لأول مرة ينصّب الاهتمام عربياً وعالمياً على انتخابات تجري في المنطقة وفي العراق تحديداً، عكس ما يحدث مع الانتخابات الأمريكية ، والإسرائيلية اللتين يراهن عليهما من يهتمون بالصراع مع إسرائيل بأن أي قادم وفقاً للتأويلات والاستنتاجات سوف يحل لغز السلام، والأمن والأمان..

ليس المطلوب ما بعد إعلان النتائج أن يكون العراق عربياً أو فارسياً، سنيّاً أو شيعياً، كردياً أو سريانياً، وإنما أن يكون وطناً مستقلاً لكل أطياف مجتمعه وتنوعاتهم، والأخذ بالاعتبار كل ما جرى منذ انقلاب ١٩٥٨م وحتى حالته الراهنة والمأساوية..

الاهتمام العربي لا يأتي عاطفياً، وإنما انتظاراً للخواتيم، فالكل يراهن على الفشل، وقليل من المتفائلين من يرى أنه سينجح بناء على الأحداث التي مرت وأحدثت قناعة أنه بدون رؤية وطن للجميع فلن يحدث أي تغيير في أوضاعه ومساره، والمؤلم أن الدول التي ورثت من الاستعمار بدايات الحكم المدني والتقاليد الديموقراطية، هي من ابتكرت الانقلابات وأعادت تلك الدول إلى مرحلة ما قبل الاستعمار من الضياع والبرهنة على فشل إدارة الدولة بعقلية الحقوق المتساوية، ومن هذا المنظور تؤكد على فشل التجربة العراقية..

والعراق إذا ما وصل إلى القناعة التامة بالخروج من التقسيمات الراهنة وأعاد توازن الدولة وفق منظومة وطنية شاملة، فإنه سيكون دولة القانون بالفعل، وحتى لو تجاوزت بعض النتائج نسبة الغش، فإننا سنواجه عراقاً جديداً، وهنا سيفرز صورة أخرى لعلاقاته مع كل دول الجوار وخارجها، وسيكون التحدي الأكبر هو البناء الداخلي، لأن من يعطي صوته لا يهمه من يلبس ربطة العنق أو العمامة، أو الشماغ بألوانه المختلفة، وإنما يهمه تحقيق النتائج على الأرض بالمطالب الأساسية من توفير المياه، والكهرباء والصحة وفوق ذلك كله الأمن واحترام سيادته من كل دولة ترتبط بعلاقة معه.

التجربة لا يجوز الحكم عليها بالخطأ والصواب، ما لم تكتمل، وما لم يتعدّ العراق حالة الارتباك، خاصة وأن مؤسساته لم تكتمل عندما تم حل الجيش والجهاز الأمني، وسادت الفوضى في الوزارات ومختلف الأجهزة الحكومية، ثم إن الاختبار الأصعب، والذي لابد من مواجهته بشجاعة أن انسحاب القوات الأمريكية في العام القادم، سوف يحدث فراغاً هائلاً، وهنا فإن الارتهان إلى حماية قوات خارجية، سواء من يطالب ويتمنى زوالها، أو من يشعر بأنها صمام أمان الوحدة الوطنية، أن تعلم كل الأطراف أن العراق لا يستقيم إلا بشعبه مهما تعددت ألوانهم وأشكالهم السياسية والدينية، والاجتماعية..

هناك ملايين المهجّرين في الخارج، وربما أن حالة الغربة ومواجهتها خلقت فهماً عاماً بأن وحدة العراق لها الأهمية الأولى، لأن الشعور بفقدان الوطن عملية معقدة نفسياً وسياسياً، وبالتالي فتلك المجاميع سواء ما كان منها مؤهلاً بقدرات كبيرة، أو حتى أمية، هي رصيد وطني، قد علمتهم الغربة التواصل والتآخي، وهم نموذج ربما يأتي تأثيره إيجابياً فيما لو أعيدت تلك الملايين إلى أرض الوطن..

ومع كل الأسباب والنتائج، فالعراق يخوض معارك الوحدة الوطنية من خلال تجربة ديموقراطية، وإذا مانجح فإنها الفائدة الأكبر بعد الدماء الغزيرة التي أهرقت..