من كان يظنّ في وسط أوروبا، وغيرها، أن حركة الحاضر بتفاصيلها السياسية والاجتماعية المختلفة، ستطغى على تجارب الماضي المأساوية، كان مخطئاً حتماً.

فكلّما ساد تفاؤل ما في هذا السياق، عادت بعض السجالات السياسية الجديدة ـ القديمة، لتؤكد مجدداً أن التاريخ لا يُمحى بحبر سائل على الورق، حتى لو وقّع عليه قادة عظماء، وأن معاناة الشعوب لا يمكن أن تبرّد إلا إذا سُوّيت بحل منطقي وعادل، يضمن الحقوق لجميع من «تورط» فيها، صنيعاً كان أم ضحية.

هذا الكلام أكده مجدداً السجال الذي اندلع مؤخراً بين أعداء الأمس، حلفاء اليوم؛ النمسا من جهة، وتشيكيا وسلوفاكيا من جهة أخرى، بخصوص الخلاف التاريخي الممتد بينهم منذ الحرب العالمية الثانية.

بخصوص ما يعرف ب«مراسيم بينيش» (المنسوبة إلى الرئيس إدوارد بينيش)، وهي أحكام رئاسية تشيكوسلوفاكية، شكّلت منذ تلك الحقبة الإطار القانوني لسلسلة من الأفعال المثيرة للخلاف، والتي لا يزال الجدال محتدماً حولها حتى عصرنا هذا.

وقد أثبتت التطورات في أكثر من مناسبة وحقبة تاريخية، أن الرأي الذي كان يجزم بانتهاء الصراع، بالترافق مع حلول الترتيبات الجديدة في أوروبا وفق منطق الغالب والمغلوب، لم يكن موضوعياً أبداً.

فلا المواطنون الذين أُبعدوا من الأراضي «المحررة» قد كفوا عن المطالبة بحقوقهم، ولا الحكومات التي تعاقبت على الدول المتضررة قد توقفت عن طرح هذه القضية، في سياق العلاقات الدبلوماسية الثنائية أو متعددة الأطراف.

أما سبب التناقض في كيفية التعاطي مع هذا الأمر الحساس، فهو واضح: إن التقسيمات السياسية التي كانت قائمة في الماضي، لا تزال قائمة في الحاضر، على الرغم من التطور الذي بلغته حركة الوعي السياسي والدبلوماسي بين الأطراف المعنية، والتي أصبحت اليوم مندمجة ضمن كيانين سياسي وعسكري حليفين، هما الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

لكن يبدو، في سياق ما تفرزه الأحداث بين وقت وآخر، أن ما يبقى أخطر من أي شيء آخر، هو ذلك الاختلاف القائم بين الأطراف المعنية حول كيفية ملامسة جوهر الخلاف واحتمالات حلوله. ففي حين ترى كل من تشيكيا وسلوفاكيا.

أن موضوع مراسيم بينيش وما نتج عنها من تأميم للممتلكات وإبعاد قسري لملايين الألمان والنمساويين والمجريين، قد أصبح جزءاً من التراث السياسي ـ التاريخي الذي لا يمكن المساس به بأي شكل من الأشكال، ترى الأطراف المتضررة عكس ذلك تماماً.

فعلى سبيل المثال، يصر الطرفان النمساوي والألماني دائماً على الاحتكام إلى معايير حقوق الإنسان، وفق ما يفهمها المجتمع الأوروبي الغربي، وينطلقان منها لتبرير احتمالات تصعيد المواجهة في المستقبل القريب، من أجل تحصيل الحقوق المفقودة، والتي بدأ يطالب بها اليوم أحفاد من تعرضوا لتلك التجربة القاسية.

وقد تختلف حدة المطالبة أو المجاهرة بهذه المطالب بين فترة زمنية وأخرى، بالاستناد إلى طبيعة المرحلة السياسية القائمة، وما إذا كانت تصلح وقوداً لحملة سياسية هنا أو انتخابية هناك.

وبالفعل، فإن القضية عادت إلى الواجهة مجدداً قبل أيام قليلة، بعدما كُشف النقاب عن أفكار معينة تضمّنتها رسالة الرئيس النمساوي هاينز فيشر، الموجهة إلى تجمّع الألمان السودت، والتي ذكر فيها حرفياً أن «مراسيم بينيش تشكّل واقعاً غير قانوني وظالماً جداً».

وأنه سيسعى من موقعه كرئيس للبلاد «لإعادة صياغة الجوانب المظلمة من تاريخ البلاد، والإصرار على أن يتم احترام حقوق الإنسان، ليس فقط في النمسا، بل حتى خارج الحدود..».

وكان من الممكن أن يفهم هذا الكلام كجزء من الحملة الانتخابية الرئاسية التي يستعد فيشر لخوضها قريباً، وبالتالي هضمها بكل سهولة مثلما تجري العادة، إلا أن إشاراته اللاحقة بخصوص اتفاقية لشبونة و«عدم فاعلية» الاستثناء الذي أصرت تشيكيا على المطالبة به في بعض فصولها، في ما يتعلق بمراسيم بينيش تحديداً، قد نقلت المواجهة إلى مرحلة متقدمة، ستكون لها حتماً آثار دبلوماسية محددة في المستقبل القريب.

ولقد أثارت كلمات فيشر، كما هو متوقع، ردود أفعال كثيرة في الدول المعنية، وليس مستبعداً أن تكون عاملاً مساهماً في تأجيج وتيرة الصراع الانتخابي البرلماني المحلي في تشيكيا وغيرها من الدول، في المدى المنظور.

وقد بدأت معالم هذا الصراع تتضح تدريجياً، وتتناغم مع المواقف السياسية الصادرة عن الأحزاب المختلفة في براغ على الأقل، والتي كانت في الغالب مواقف متشددة في إصرارها على التمسك بالمراسيم المذكورة وعدم التفريط فيها، باعتبارها جزءاً من التراث السياسي والتاريخي للبلاد.

في جميع الأحوال، لقد كرّست هذه القضية التي تبرز إلى العلن مع كل استحقاق، شيئاً مهماً للغاية؛ يتمثل في وجود هوة عميقة بين الأطراف الأوروبيين، في كيفية فهمهم لمسألة حقوق الإنسان. فما قد يكون مخلاّ بهذه الحقوق بالنسبة للبعض، يبقى منطقياً ومقبولًا بالنسبة للبعض الآخر المعتمد على معايير وحجج ذاتية مختلفة.

وهذا يشكّل جوهر أزمة بدأت تتكون تدريجياً في رحم المجتمعات المنضوية حالياً ضمن الاتحاد الأوروبي، وستنمو مع الأيام لتصل إلى مستوى مثير، ليس معروفاً بعد كيف ستكون تبعاته على الصعيدين الاجتماعي والسياسي معاً.

وهذا سيحدث حتماً، على الرغم من إصرار بعض الأطراف على التقليل من أهمية ما يحدث، ومحاولات البعض الآخر إبقاء الفصول المقلقة من تاريخ أوروبا ضمن مناهج مادة التاريخ، أو في أحكام القوانين المختلفة التي أصبحت جزءا من أرشيف الدولة.

ثمة اقتناعاً تاماً بأن الانتخابات التي ستجرى في النمسا أو تلك التي ستخوضها القوى في الدول المحيطة، لن تسهم في إيجاد الحلول المنطقية لهذه المعضلة الممتدة منذ أكثر من ستين عاماً. ما يمكن تأكيده، ربما، هو أن الخلاف على ربط هذه المراسيم بقضية احترام حقوق الإنسان، سيبقى قائماً حتماً ولفترة غير قصيرة.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz