في شهر فبراير 2003، استقبل الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك في باريس، الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين في جو من العظمة، لاستمالة روسيا على أرضية الموقف الفرنسي الرافض للحرب الأميركية على العراق.

بعد سبع سنوات من ذلك التاريخ، ها هو ملف البرنامج النووي الإيراني يدفع بالرئيس نيكولا ساركوزي إلى تعزيز الجبهة المشتركة مع روسيا في مجلس الأمن، وتجسد ذلك من خلال زيارة الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف إلى باريس يومي 1و2 مارس الجاري، والتي شكلت نقطة تحول في تعزيز الشراكة

الاستراتيجية «التفضيلية» بين الدولتين؛ فرنسا وروسيا، المرتبطتين ب«تقاربهما الروحي»، حسب البيان الصادر عن الكرملين.

مسألة التقارب بين فرنسا وروسيا كانت مطروحة منذ سنة 2008، في ظل ظهور عناصر جديدة، تتمثل في وجود الثنائي ديمتري ـ بوتين في السلطة في الكرملين، ومعنى الحرب الجورجية، وتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، وبدايات ممارسة الرئيس باراك أوباما للسياسة الخارجية الأميركية.

ورغم أن الدبلوماسية الفرنسية تقوم بخطوات محسوبة بدقة في تحركاتها الدولية، فإن المراقبين يعتقدون أنها محمّلة بالغموض. يشهد على ذلك، أن هذه الدبلوماسية الفرنسية تناست صيف 2008 الذي اندلعت فيه الحرب الروسية ـ الجورجية في القوقاز، عندما توصّلت فرنسا التي كانت تترأس الاتحاد الأوروبي، في أغسطس 2008.

إلى وضع اتفاقيةٍ لوقف القتال بين القوات الروسية والجورجية، متكونة من ست نقاط، لم يتم الالتزام بها من قبل روسيا، التي لا تزال تحتل 20% من الأراضي الجورجية (أبخازيا وأوسيتا الجنوبية اللتين أعلنتا استقلالهما).

من المنظور الفرنسي، الرئيس دميتري ميدفيديف هو ستولبين جديد؛ رئيس الوزراء الروسي الراحل في عهد نيقولا الثاني (1906-1911)، الحريص على قيادة روسيا نحو الحداثة، والذي يحاول أن يتحرر من ظل فلاديمير بوتين. ومنذ أشهر عديدة، يشعر الرئيس ميدفيديف بنوع من الاستقلالية، حسب قول الكاتب المتخصص في شؤون الكرملين دميتري أوريشكين.

ومن علائم هذه الاستقلالية، المقال الذي نشره الرئيس دميتري ميدفيديف في الموقع الإلكتروني «غازيتا» يوم 10 سبتمبر 2009، والذي ينتقد فيه بصورة عنيفة، روسيا «المتأخرة تاريخيا والتي ينخرها الفساد»، حيث أن اقتصادها «بدائي»، وديمقراطيتها «ضعيفة».

ولا شك أن المحور الفرنسي ـ الروسي لسنة 2010، يختلف كليا عن محور سنة 2003 الذي كان يستهدف محاصرة الولايات المتحدة. ومن وجهة النظر الفرنسية، الأمر يتعلق بدفع موقف أوباما إلى التصلب من الملف النووي الإيراني.

ولا سيما أن باريس في دورها «كموجه» للغربيين، وانطلاقا من حساباتها الدولية، تعتقد أن استمالة الموقف الروسي حول الملف النووي الإيراني، سيقنع الصينيين بعدم العرقلة في مجلس الأمن.

وفضلاً عن ذلك، يركز الرئيس ساركوزي على «الشراكة الاستراتيجية» بين فرنسا وروسيا، التي تمر عبر تطوير العلاقات في مجال الطاقة. ففي ختام المحادثات بين ساركوزي وميدفيديف، وقعت شركة «غاز دو فرنس سويز» بروتوكول اتفاق، يفتح الباب أمام مشاركتها بنسبة تسعة في المئة في مشروع أنبوب الغاز الروسي «نورث ستريم».

وأكدت المجموعة الصناعية «ألستوم» أنها اشترت 25% من رأس مال مجموعة تصنيع القطارات الروسية «ترانسماش هولدينغ»، ويتعلق الأمر باستثمار 75 مليون دولار في البداية.

الرئيس ساركوزي وفّق بين دبلوماسيته الروسية وملف التعاون في مجال التسلح والحوار السياسي العسكري، الذي يزيد من صعوبة العلاقات مع حلفائه.

بعد سنة من عودة فرنسا إلى الحلف الأطلسي، وبعد ثمانية عشر شهرا من الحرب الروسية الجورجية، خاصة وأن روسيا مهتمة بشراء سفينة «ميسترال» الحربية الفرنسية العملاقة، التي يبلغ طولها 200 متر وعرضها 32 متراً، ولديها القدرة على نقل 16 مروحية و13 دبابة ثقيلة ونحو 900 جندي.

وقد أبدت موسكو اهتمامها بشراء أربع من هذه السفن، رغم أن ذلك أثار قلق جورجيا ودول البلطيق الثلاث بوجه خاص، التي طالبت الاتحاد الأوروبي بتشديد قواعد تصدير الأسلحة نحو روسيا.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org