السلام الحقيقي والعادل والشامل والدائم هو تحديداً السلام الذي ترفضه إسرائيل، وتعبّر عن رفضها له بوسائلها المختلفة من القتل إلى التدمير وشن الحروب، إلى انتهاك المقدسات، لأن ما تريده إسرائيل هو صيغ أخرى لا يندرج السلام في مضمونها، فهي تريد شيئاً مؤقتاً أو طارئاً أو عارضاً، أو ما يمكن أن يشكل في محصلته فرصة لإسرائيل لتلتقط أنفاسها، ولكي تستفيد ـ حسب اعتقادها ـ من ظروف دولية تكون أقل ضغطاً عليها وأكثر ملاءمة لها لتحقيق أطماعها العدوانية في المنطقة..
لقد عبّر قادة الكيان الإسرائيلي بدءاً من بن غوريون حتى نتنياهو عن قناعاتهم الصهيونية المتطرفة بخطورة السلام على مفهوم الوجود الصهيوني، وهو اعتقاد عنى ومازال يعني تبرير السلوك العدواني لهم وقبل ذلك هو مبرر منشأ الكيان الصهيوني ودوره الوظيفي المرتبط بنشأته.
إذاً من البدهي التأكيد أن طبيعة إسرائيل العسكرية متلازمة مع خصائصها العدوانية، وهي في واقع الحال تشكّل تناقضاً جوهرياً مع مبدأ السلام كما يعرفه العرب لا بل العالم كله ما عدا (إسرائيل).
ولهذا السبب فإن العرب يدركون أن ما تطالبهم به إسرائيل هو الاستسلام لا السلام، بل التسليم نهائياً بما تعتقد أنه لمصلحة أمنها حتى لو كان هذا يعني بالمحصلة تدمير الشعب الفلسطيني وإبادته والاستيلاء على المقدسات وانتهاك الحرمات. كل هذا لتمرير المشروع الصهيوني بصيغته النهائية التي لا تعترف إلا بإسرائيل وأطماعها ومشروعاتها التوسعية العدوانية..
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن لم يعد يتعلق بالمبادرة العربية ولا بقرار وزراء الخارجية العرب ولا حتى بمباركة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير لهذا الغطاء، ولا يتعلق أيضاً بفكرة السلام نفسها، ولكن السؤال هو: هل يدرك العرب الحجم الحقيقي للمشروع الصهيوني الذي يبدو أنه يتجاوز الأراضي العربية المحتلة إلى خارجها، ويتجاوز الاعتداء على الشعب الفلسطيني إلى الاعتداء على الشعب العربي في دولنا العربية جميعها؟.
وما يجعل التساؤل أكثر مشروعية الآن هو: عن أي عملية جادة وبناءة وذات مصداقية يتحدث ميتشل؟
ما الذي قدمته إسرائيل حتى تستحق هذه المنحة العربية والفلسطينية وكل هذا الدعم الأمريكي اللامحدود بل الذي يعتبر أن عودة الفلسطينيين إلى طاولة المحادثات غير المباشرة مع الإسرائيليين يمثل انجازاً أميركياً في المنطقة دون أن نعرف حتى اللحظة ما الذي ستقدمه إسرائيل (لدفع العملية الدبلوماسية قدماً) من خلال المحادثات غير المباشرة بعد أن فشلت في مفاوضات مباشرة على مدى سنوات طويلة؟
هل ستغير إسرائيل عبر اللا لقاء المباشر سلوكها العدواني وتمسح من ذاكرتها مشروعها الصهيوني التوسعي، وتقبل بقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، وتقر بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وتعود إلى خطوط 1967؟..
