أن يتحول شجار عادي بين طلبة المدارس ويتطور ويمتد إلى الأحياء السكنية ويروح ضحيته طفل بريء فذلك كارثة إنسانية بكل المعاني. فهذا الطفل لا ذنب له سوى تواجده في مواجهة غير متكافئة مع مجموعة من الطلبة مدججين بأنواع السلاح، استقلوا سيارات ذويهم، وتوجهوا إلى منطقة الراشدية في دبي، حيث يقطن من اختلفوا وتشاجروا معه وأودوا بحياته في لحظات.
إن هذا التيار القوي الذي هب كان بمثابة الصدمة التي ضربت قيماً تربوية مهمة، ينبغي أن تحرص عليها الأسر في رعايتها للنشء.
حادثة «الراشدية» ألقت بظلال تفاصيل كثيرة يجب الوقوف عندها ملياً، هي ليست حادثاً عابراً نتج عن شجار بين صبية أفضى إلى جريمة أزهقت فيها روح وخلفت أسرة تعيش مرارة فقد طفل بصورة بشعة بكل المقاييس، فالوفاة لم تكن حادثاً عادياً حتى يسلم أهله بالقضاء والقدر ويحتسبونه عند ربه، بل بفعل فاعل وإصرار على الفعل.
لكن يبقى السؤال الكبير الذي لم يبرح رؤوسنا منذ لحظة سماعنا بوقوع الجريمة، وهو من أين للأطفال «الجناة» بهذه الجرأة والإصرار على توجيه طعنات قاتلة إلى جسد رفيقهم؟ وكيف كان الحقد دفيناً في نفوس صغار نفترض فيهم البراءة؟ وكيف وصلوا إلى هذه الدرجة من العنف والقسوة بأن تضيع تحت طعناتهم كل التوسلات بترك الضحية؟
نتساءل عن البيئة المحيطة بهؤلاء الصغار وأساليب التربية التي يتلقونها في أسرهم وسلوكهم في المجتمع المدرسي مع أقرانهم. هل كان العنف هو سبيلهم دوماً إلى إنهاء مثل هذه المشاكل؟ وأين كان دور من فيه في تقويم سلوكهم؟ فالانحراف لا يكون وليد اللحظة، ومثل هذه الجرائم لا ترتكب بالصدفة، ولا شك في وجود إهمال في فض مثل الاشتباكات.
أتحدث حول الإهمال في هذا الجانب عن تجربة شخصية أمر بها يومياً من خلال أبنائي، الذين أصبح يومهم عبارة عن اثنين لا ثالث لهما «ضارب أو مضروب»، فإما يأتون البيت وقد تغيرت ملامح وجوههم وآثار الشجار بادية موحية بتفوق الطرف الآخر أو عبارات من التباهي والفخر.
يسمعونني أنهم أشبعوا فلاناً ضرباً و«قطعوه»، وفي الحالتين أعيش غصة، وسؤال واحد أردده أين الإدارة عن كل ما يحدث عندكم، والرد الذي أتلقاه من الأبناء «لا أحد يسمعنا ويعيد إلينا حقوقنا إن لم نوقف المعتدي عند حده بأيدينا».
هي البداية التي تجر معها ويلات ومصائب تحياها اليوم كل الأسر التي كان أبناؤها طرفاً في حادثة الراشدية سائلين المولى عز وجل العفو والعافية.
