عقد في الكويت، بدعوة مركز الدراسات الإستراتيجية، مؤتمر حول «المواطنة: الواقع والمستقبل» (20-21 فبراير 2010). وكانت الأوراق وما استدعته من المناقشات والتعليقات غنية ومفيدة، بما قدمته من التحليلات والاضاءات، أو بما أثارته من الأسئلة والإشكاليات.
وحسناً فعل المنظّمون، وفي مقدّمتهم دينامو المؤتمر الدكتور فارس الوقيان، بدعوتهم لعقد هذا اللقاء الفكري الأول في الكويت، للتداول في مسألة المواطنة التي تسجل تراجعاً خطيراً ومريعاً في غير بلد عربي، مما يشهد على أزمتها المتفاقمة.
وتتمثل الأزمة في تغليب الانتماءات الطائفية أو القبلية أو العرقية أو الحزبية، على الانتماء إلى بلد أو وطن أو مجتمع بالمعنى الواسع، هذا فضلاً عن تغليب المصالح الشخصية للأفراد أو الجماعات، على المصالح العمومية للدولة أو الوطن.
ومن المعلوم أن المواطن هو من يمارس خصوصيته، بصورة عابرة للأطر التقليدية والتجمعات الأهلية أو الخاصة، كالأسرة والطائفة والشركة، لكي يندرج في مجتمع مدني أو ينخرط في فضاء عمومي، يمثل الأمر الجامع والشأن المشترك والمصلحة العمومية أو الوطنية، وقد يتعدى ذلك نحو النطاق الإقليمي أو الدولي، لكي يعمل على صعيد عربي أو عالمي.
للأزمة عواملها الداخلية والخارجية؛ ففي الداخل نجد أن كثيراً من البلدان العربية تنص دساتيرها على أن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، من غير تمييز على أساس الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس..
ولكن قلما تحترم قواعد المواطنة القائمة على المساواة الليبرالية، بل هي بقيت حبراً على ورق في كثير من الحالات. وهكذا فقد أخذنا عن الغرب الحديث عناوين ومبادئ قيّمة وصالحة، لكننا لم نحسن العمل بها، وكل ما فعلناه هو ترجمتها على نحو سيئ أو عقيم.
ولكن العوامل الداخلية للأزمة لا تكفي، فهناك العوامل والضغوط الخارجية، كما تجسمت في صعود الأصوليات الدينية. ومن المعلوم أن «الإسلام هو الحل» هو الشعار والبرنامج في المشروع الأصولي.
ولذا فالمطلوب تطبيق أحكام الشريعة، بالطبع بحسب تأويل كل طائفة أو مذهب. ولا يهم إن كان ذلك يتعارض مع الدساتير والأنظمة أو مع منطق الدول والمصالح العمومية، وكما تشكلت في المجتمعات العربية الحديثة.
وتلك هي المشكلة. لقد بات النص والشرع والخلافة والفتوى والحجاب والمرشد، أولى من الدول والأوطان والقوانين والحياة المشتركة. وإذا كانت المشاريع الإيديولوجية، القومية واليسارية، قد زعزعت من جهتها قيم المواطنة، فإن المشاريع الأصولية قد أطاحت بكل المكتسبات الحديثة.
والمآل هو أن المؤمن والمجاهد أو الرفيق والمناضل أو الثائر والمحرر والمقاوم، قد ألغوا مفهوم المواطن ودوره، الأمر الذي يجعل الأوطان معلقة أو مرجأة كما في لبنان، أو ملغمة كما في غير بلد عربي، كالعراق والسودان واليمن.
والأزمة تفعل فعلها في أوروبا، ذلك أن صعود الأصوليات بشعاراتها وتعاليمها وأحكامها وطقوسها، قد أثار المخاوف والهواجس وأحدث ردود فعل مضادة، مجتمعية، أو سياسية، أو قانونية...، كما يجري في فرنسا أو سويسرا.
ومن الشواهد في هذا الصدد أن الحكومة المعتدلة في هولندا قد تسقط، لكي تأتي حكومة متطرفة تواجه التطرّف الأصولي الإسلامي. وهكذا فإن صعود الأصولية يفسد علاقة العرب بغيرهم، كما يلغم علاقاتهم بعضهم.
وتلك هي حصيلة ادعاء كل فريق تمثيل الإسلام الصحيح، وإنكار ذلك على سواه. غير إن الإسلام ليس عنواناً تحتكره فرقة ناجية أو حزب سياسي أو تيار أصولي، وإنما هو عالم ثقافي واسع يندرج فيه الكل. وما نحتاج إليه هو ابتكار عناوين جديدة، لملء الفراغ ومواجهة التحديات والاستحقاقات.
ولو تأملنا سيرورة الغرب الحديث، منذ الخروج من فلك العصور الوسطى نحو آفاق الحداثة وأزمنة المعاصرة، نجد أنهم نجحوا في تجديد المطالب الوجودية في ضوء التحولات والانعطافات والأزمات، مرحلةً بعد مرحلة.
كما تشهد هذه العناوين: الاستنارة، العقلانية، النزعة الإنسانية، الحرية، الثورة، الديمقراطية، التحرر، التقدم، التنمية، العولمة، ما بعد الحداثة، الحداثة الفائقة...
ولو توقفنا عند مسألة العدالة، نجد أنها لم تعد تقتصر في الديمقراطيات الغربية على المساواة في القوانين. هذا مستوى أول يجري تجاوزه، نحو المساواة في الحظوظ والفرص أو في المناصب والوظائف، بل هناك من يتحدث عن المساواة في الإمكانيات.
وكل ذلك يشهد على ممارسة الخصوصية الثقافية أو الهوية الحضارية، على النحو الأغنى والأقوى والأكثر تجلياً وازدهاراً.أما عندنا فما يحصل هو العكس؛ العودة إلى الوراء، الإطاحة بالمنجزات، ممارسة الهوية بصورة خاوية، فقيرة، بائسة، كاريكاتورية، عدوانية.
ثمة شاهد آخر فاضح على استخدام العناوين الدينية بصورة خادعة أو مفخّخة أو مدمّرة، يقدّمه الحوثيون الذين يتمرّدون على الدولة في اليمن، ليس من أجل أهداف تتعلق بالعقل والمصلحة، كرفع غبن أو جلب منفعة أو تحسين وضع معيشي أو شرط وجودي. بل هم يقاتلون من أجل أن «تعلو ثقافة القرآن فوق كل ثقافة»، وفق فهمهم ورؤيتهم الخاصة.
طبعاً، هذا هو المقول والمعلن. ولكن المسكوت عنه، هو على العكس. ذلك أنه بما أن الإسلام حمّال أوجه ومساحة مفتوحة وخصبة للتأويلات المختلفة، فإن ما يعلو في النهاية ليس القرآن، بل تفسير الحوثيين للنص، أو تفاسير سواهم التي تحلّ عندهم محلّ كلام الله.
والحصيلة هي استبعاد الآخر، وربما إلغاؤه أو استئصاله، أي ما ينتج النزاع والانشقاق والحروب الأهلية. هذا ما حصل ماضياً، وما يحصل أو يمكن أن يحصل حاضراً ومستقبلاً. أخلص من ذلك إلى أمرين:
ـ الأول، لا سبيل لأن نندرج في العالم بصورة سوية وبنّاءة، وأن نحتل مكانتنا اللائقة بين الأمم، من دون إتقان لغة الحوار والتداول والتضامن، ومن غير المشاركة في صناعة الحضارة العالمية، باختراعاتنا وإنجازاتنا في هذا المجال أو ذاك، فذلك أفضل وسيلة للدفاع عن هويتنا وحقوقنا.
أما أن لا نعترف نحن ببعضنا، أو أن نشوه سمعتنا في العالم بفضائحنا، أو أن نهدر ثرواتنا ونخرب عمراننا، ثم نتهم الدول الأوروبية بأنها لا تعترف بحقوقنا، أو نستعدي العالم ونعلن الجهاد ضده، فتلك فضيحة أو أكذوبة، بل كارثة.
ـ الثاني، أن أزمة المواطنة تعني أن المصطلحات والمفاهيم ليست نهائية، وإنما تحتاج إلى المراجعة وإعادة النظر لتعزيزها وتطويرها. ولذا فالتداول في أزمة المواطنة، لا يعني التباكي على عصر الحداثة الفائتة.
فالمصطلح هو احتمالاته المفتوحة وإمكاناته الغنية، بقدر ما هو صيرورته وتحولاته. والرهان هو العمل على إغنائه وتجديده.
كاتب ومفكر لبناني
