بتاريخ 30 سبتمبر 2003 فاجأ الأستاذ محمد حسنين هيكل قراءه من محبيه وغيرهم، بقراره اعتزال الكتابة في مقال نشره في جريدة «الأهرام» تحت عنوان «استئذان في الانصراف.. رجاء ودعاء..
وتقرير ختامي»، بعد أكثر من ستة عقود من العمل في مجال الصحافة، معترفا بأن أي حياة، عمرا وعملا، لها فترة صلاحية بدنية وعقلية، وأنه من الصواب أن يقر كل إنسان بهذه الحقيقة ويعطيها بالحس، قبل النص، واجبها واحترامها.
ثم إنه من اللائق، والكلام مازال للأستاذ هيكل، أن يجيء هذا القرار قبولا ورضى، وليس إكراها وقسرا، كما يستحسن أن يتوافق مع أوانه، فلا ينتظر المعنيّ به حتى تتطوع مصارحةٌ مخلصةٌ أو تداري مجاملةٌ مشفقة.
لأن انتظار المصارحة مؤلم، وغطاء المجاملة مهين، مقرا بأنه حاول من سنوات أن ينبه نفسه بين وقت وآخر إلى مزالق الانتظار، وضمن ما فعل أنه وضع حدودا لما يكتب بأفضلية أن يتساءل الناس: «لماذا لا يكتب هذا الرجل؟» أكثر، بدلا من أن يكون سؤالهم: «لماذا يكتب هذا الرجل؟» أصلا.
وعلى المنوال نفسه، فإن ما ساوره في تلك اللحظة تلخص في أفضلية أن يتساءل الناس: «لماذا يستأذن هذا الرجل في الانصراف متعجلا؟»، بدلا من أن يكون سؤالهم: «لماذا يتلكأ هذا الرجل متثاقلا؟».
وسواء اتفقنا مع الأستاذ هيكل أو اختلفنا، فإنه يبقى علامة بارزة في الصحافة العربية، حتى وهو ينسحب من مجال الكتابة، مفضلا الانصراف إلى التلفزيون عبر حلقات برنامج «مع هيكل» الذي تبثه قناة الجزيرة، في عصر يبدو أن الكلمة المكتوبة فيه قد تراجعت قليلا أو كثيرا، لا فرق، إذ إن المحصلة النهائية تكاد تكون واحدة في ميزان التقدم والتراجع.
وقبل شهر تقريبا، فاجأنا الصحافي الأميركي المتخصص في الشؤون الاستراتيجية «جو غالاوي» على هذه الصفحة، بإعلانه هو الآخر انصرافه عن كتابة المقالات، بعد حياة حافلة من العمل في المجال الصحافي امتدت نصف قرن.
وقال في المقال الذي نشرته «البيان» في السابع من شهر فبراير الماضي، إن هذا المقال ليس نعيا للمجال الصحافي، فقد أحب «غالاوي» عمله كثيرا كصحافي عندما كانوا يعملون بصورة صحيحة ويتفهمون الأخطاء التي كانوا يرتكبونها.
أحبه بكل جوانبه، مع بعض الاستثناءات المحدودة جدا، آملا أن تعمر الصحف اليومية التي تكتب بالحبر وتطبع الكلمات بصورة تقليدية بعده سنوات عدة.
ولم يكن المذيعون أقل جرأة وتصميما من الصحافيين وهم يستأذنون في الانصراف من مواقع عملهم، فقد خرجت المذيعة اللبنانية شذا عمر على المشاهدين يوم السبت 13 فبراير الماضي.
لتقدم استقالتها من محطة LBC اللبنانية على الهواء مباشرة، معللة ذلك بغياب أي قانون ينظم الإعلام، وبسبب «غياب الموضوعية وأصول المهنة وأخلاقياتها» حسب تعبيرها، مترسمة في ذلك خطى زميلتها مي شدياق التي فاجأت هي الأخرى المشاهدين في شهر فبراير أيضا من العام الماضي بطريقة استقالتها.
عندما بكت على الهواء بعد انتهائها من تقديم برنامجها «بكل جراءة» قائلة: «هذه هي المرة الأخيرة التي تشاهدون فيها دموعي» بعد 19 سنة من العمل في القناة نفسها.
وربما تكون عدوى الاستقالة على الهواء مباشرة قد انتقلت إلى مقدمي البرامج الرياضية، حيث استقال الناقد الرياضي المصري علاء صادق في أكتوبر من العام الماضي من قناة «مودرن» الرياضية، خلال حلقة برنامجه «هنا القاهرة» بعد أقل من دقيقة من بدء البرنامج، معتذرا عن عدم استكمال الحلقة.
لكل واحد من هؤلاء المستقيلين أسبابه التي نحترمها أيا كان نوعها، ولكن يبقى السؤال المطروح: هل من حق المبدع أن يختار اللحظة التي ينسحب فيها من ساحة الإبداع؟ وهل من حق الناس عليه أن يشرح لهم أسباب هذا الانسحاب ودوافعه؟
يذكر الأستاذ هيكل في مقالِ أو خطابِ استئذانه في الانصراف، من باب الاعتراف بالفضل والاعتزاز بأصحابه، أن كثيرين تكرموا بجهدهم في تحويله عما رأوه اتجاهه، راغبين في إقناعه بأنه ما زال، جسدا وفكرا، قادرا على الاستمرار، مع إشارات عطوف إلى أنه ليس من حق محارب أن يلقي سلاحه مهما تكن الأسباب، ولا من حق كاتب أن يتخلى عن قلمه ما دام يستطيع الكتابة.
وكان جوابه، من باب التقدير وليس العناد، أن عدد السنين حقيقة حساب، ودوران أي عجلة طوال الوقت طاقة مستنفدة مؤثرة على صلب معدنها وذاته، ولو تعطل الناس مع حاصل الجمع، أو تمنوا لو تتحمل المعادن إلى الأبد، فذلك ليس من شأنه إلغاء قواعد الحساب أو تعطيل قوانين إجهاد المواد واستهلاكها.
ومع تقديرنا لرأي الأستاذ هيكل، الذي لم يتوقف عن العطاء رغم انصرافه عن الكتابة، فإننا نعتقد أن بعض الأقلام تشيخ وتتعطل قبل الأصابع التي تحملها، وأن بعض المواهب تنتهي صلاحيتها بعد فترة وجيزة من تاريخ صنعها.
لذلك فكما أنه من حق بعض المبدعين الاستئذان في الانصراف في الوقت الذي يرونه مناسبا، فإن من حق الجمهور أيضا أن ينصرفوا عن البعض في الوقت الذي يراه هذا الجمهور مناسبا، وهذا هو قمة العدل والإنصاف في مسألة الانصراف، التي يمكن أن نطبقها على كل نواحي الحياة، وليس في مجال الإبداع وحده.