عندما تختلط مشاعر الحب بمشاعر الكراهية، ومشاعر الحزن بمشاعر الفرح، فنغدو غير قادرين على أن نسيطر على مشاعرنا وانفعالاتنا، فلا نحسن الضحك ساعته، ولا أن نبكي حيث البكاء مرغّب فيه، ونغضب وكل من حولنا يضحك ويبتسم؛ عندها ندرك أننا فقدنا بوصلة مشاعرنا وانفعالاتنا فما عدنا نعرف كيف نوجهها وأين نمضي بها.
فيتخلق ذاك الانفصام الكبير بين ما نشعر به وبين ما هو حقيقة من حولنا، وعندها ندرك أيضا أننا نعيش زمن فوضى الحواس وتخبط الانفعالات، ولا نرى من الألوان في حياتنا سوى اللون الرمادي الذي هو بين الحقيقة والوهم، فنتعلق به ونتشبث بأطرافه فيجرنا بعيدا نحو عالم من الفوضى وفقدان التمييز، واتخاذ القرارات المصيرية العشوائية وسط أمواج تتلاطم بالحيرة وضياع الوعي.
فنبحر بسفينة الوهم لا ربّان يقودنا ولا ناصية نتشبث بها، ونبحث عن المجاديف فنتذكر أننا تركناها هناك عند شاطئ البحر المليء بالكثبان الرمادية وأشجار الحيرة، ثم تمضي بنا السفينة نحو عوالم مجهولة، فتتراءى لنا سماء بألوان زاهية ومياه صافية كصفاء سراب الرمال المحرقة.
وتسوّل لنا نفوسنا أن نجني من ثمار البحر فنلتقط لآلئ بيضاء وأخرى أرجوانية، وتهفو نفوسنا لاستخرج جواهرها فلا نحصد منها إلا ثعابين تقذف بالسم الزعاق، وعناكب تنسج خيوط الوهم والزيف حول مستقبلنا، فينادي المنادي أن عودوا إلى أماكنكم، لقد أوشكت الرحلة على الانتهاء!
عندما أتأمل في تلك الفوضى من حولي، أراها توشك أن تبتلع فئة من المجتمع يفترض أن يكونوا هم أبعد الناس عنها؛ لأنهم حجر الزاوية في معادلة الحياة الصعبة ولا يتصور أن تدور عجلة الحياة من دونهم، ولا أن نحمل مصيرنا على أكتافنا من دونهم؛ إنهم طلبتنا الذين يرفعون شعلة العلم ليقهروا بها ظلمة الجهل، ويرسموا خطوات المستقبل على صفحة التاريخ، يحدوهم أمل نحو مستقبل يشع نورا وضياء.
ترتسم ملامح الفرح والسعادة في وجوه طلابنا، حين يصيح المنادي معلنا أن اليوم أو الغد هو يوم بريء من الدراسة وغير مثقل بها، فتعلو صيحات التمجيد والتهليل والحمد، وكأنهم قد نشطوا من عقال فتمتلئ الأزقة بهم وتضج البيوت من جلبتهم فيُدفعون إلى الخارج، وينتشرون في كل زاوية وتحت كل سماء، ويتدفق فيهم موج عارم يلهون ويمرحون على غير هدى ولا سبيل.
فيصلون نهارهم بليلهم ويضيفون ساعات إضافية فوق الساعات الأربع والعشرين في كل يوم وليلة، فيظل هذا حالهم من اللهو والمرح إلى أن يتكدر صفوهم حين يصيح المنادي أن يا أيها الطلاب امضوا غدا إلى مدارسكم فغدا يوم علم وزاد، فتتحول حالهم من السعادة إلى بؤس ونكد وكدر، فيمضون نحو مدارسهم كأنما يساقون إلى الموت!
لا يزعم أحد أننا لا نرى هذا الواقع المؤلم ونرصده في حياة طلابنا، الذين هم بحاجة إلى وقفة طويلة منا نراجع فيها أنفسنا ونحاسب الجاني الذي حوّل مدارسنا إلى بيئة طاردة، وكان الأجدر بها أن تكون بيئة جاذبة.
لا يختلف طلابنا عن طلاب البلدان الغربية المتقدمة، فهم بشر ونحن بشر، ولديهم طاقات ونحن لدينا طاقات، وتمتلك بلادهم كل مقومات التعليم ونحن كذلك نمتلكها، وهم جعلوا من مدارسهم بيئة جاذبة ومحببة لأبنائهم في كل مراحلها، فماذا فعلنا نحن؟
أنا لا أريد أن أفاضل بين مدارسهم ومدارسنا، ولا أسعى إلى أن أقلل من الجهود المبذولة في دولنا العربية، ولكن أريد لطلابنا في بلداننا العربية أن يقبلوا على التعليم بحب وشغف، كما يقبل الطالب على التعليم في بعض مدارس أميركا واليابان مثلا.
أريد من طلابنا أن يروا في مدارسهم منابر للعلم تجذبهم نحو التعلم ومنافسة الآخرين بتفوقهم العلمي، أريد لطلابنا أن يبكوا اليوم الذي يتغيبون فيه عن الدراسة، وأريد منهم أن يحبوا مدارسهم ويتعلقوا بها كالجنين الذي يلتصق بأمه يرشف منها قطرات التضحية والجد والمثابرة والعزيمة، ويلتصق بصدرها يرجو الحنان والطمأنينة.
إن الطالب في تلك البلدان التي جعلت من مدارسها بيئة جذب لا بيئة طرد، إذا ما تغيب الطالب منهم عن مدرسته يظل يبكي طوال اليوم، وإذا أذنب ذنبا ولو بسيطا لا يستحق العقاب، توعده والده بحرمانه من الذهاب إلى المدرسة، ليس لأن الوالد لا يحب العلم، ولا لأن البيت بيئة طاردة، وإنما لعلمه بتعلق ابنه بالمدرسة وحبه إياها، فعندها يحرص الابن على إرضاء والديه وعدم مخالفة رغباتهما.
إننا لن نعدم الوسائل والطرق الناجعة التي ستحول مدارسنا إلى بيئات جاذبة لطلابنا، وستكسبهم حب طلب العلوم والمعارف المختلفة، وليس انتقاصا من شأننا أن نعترف بتجارب الأمم الأخرى ونجاحاتها في هذا الميدان.
بل علينا أن نستفيد من تجاربها، على أن نحسن اختيار التجارب الناجحة من الدول التي حققت نقلة نوعية في التعليم، ونحرص على أن نظل متمسكين بقيمنا وتعاليم ديننا، ونراعي ثقافتنا وخصوصياتنا، فغايتنا البناء لا الهدم، وأن نمتلك بوصلة مستقبلنا لنحدد بها غاياتنا وأهدافنا، وأن نعرف متى نحزن ومتى نبتسم.
كاتب إماراتي