ُقبل أربعة عقود، كان مجرد الحديث بكلام طيب عن كونفوشيوس في بكين أشبه بالانتحار. فلقد كان كونفوشيوس العدو الرجعي، وكانت قيادة البلد تحضّ جميع الصينيين على الكفاح ضده.
كم تغير الزمن في أيامنا هذه، حيث وافق الحزب الشيوعي الصيني على عرض فيلم عن كونفوشيوس من بطولة النجم الوسيم شاو يون ـ فات. ويصور الفيلم كونفوشيوس كقائد عسكري فذّ وأستاذ محنّك للقيم الإنسانية والتقدمية. ما الذي يبوح به هذا عن المستقبل السياسي للصين؟
خلال الثورة الثقافية الصينية، كان اسم «كونفوشيوس» يستخدم في أحيان كثيرة كنعت سييء لمهاجمة الأعداء السياسيين. أما اليوم، فالكونفوشية تؤدي وظيفة سياسية أكثر شرعية، إذ يمكنها المساهمة في توفير أساس أخلاقي جديد للحكم السياسي في الصين. فلقد فقدت الشيوعية قدرتها على إلهام الصينيين، وهناك إدراك متنام بأن البديل يجب أن يكون مستقى، على الأقل جزئياً، من تقاليد الصين. وباعتبارها العرف السياسي المهيمن في الصين، تبدو الكونفوشية البديل البديهي للشيوعية.
لم يقم الحزب بتغيير اسمه إلى الحزب الكونفوشي الصيني بعد، لكنه يقترب بشكل متزايد من تبني الكونفوشية رسمياً. فلقد سلطت دورة الألعاب الأولومبية الضوء على العديد من الرموز والمواضيع الكونفوشية، حيث تضمن الحفل الافتتاحي مقتطفات من كتاب «المنتخبات» الشهير الذي يعتبر إنجيل كونفوشيوس، بينما أغفلت الإشارة إلى تجربة الصين مع الشيوعية.
لكن إحياء الكونفوشية ليس اتجاهاً مرعياً من الحكومة فقط. فالحكومة تتفاعل أيضاً مع تطورات خارج نطاق سيطرتها، حيث شهدت الآونة الأخيرة ازدياداً كبيراً جداً في الاهتمام بالكونفوشية في أوساط الأكاديميين والرديف الصيني للمجتمع المدني.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في اقتناع الحكومة الصينية بالأمر، إذ من الصعب إقناع البلدان الغربية بأن الكونفوشية يمكن ان تقدم طريقاً إنسانياً تقدمياً للإصلاح السياسي في الصين. فلماذا تقلق فكرة إعادة إحياء الكونفوشية الغربيين؟
أحد الأسباب ربما يكمن في الأنانية وحب الذات من جانب الغرب. فخلال عقود طويلة من القرن العشرين، انخرط الليبراليون والماركسيون الصينيون في انتقاد كلي لميراثهم الثقافي والسياسي، وتطلعوا إلى الغرب بحثاً عن الإلهام.
وربما راق للغربيين هذا المشهد الذي يحاول فيه الصينيون تقليدهم ، لكنهم أصبحوا أقل تعاطفاً الآن لأن الصينيين بدأوا يفخرون بتقاليدهم وأعرافهم الخاصة ويستلهمون منها أفكار الإصلاح الاجتماعي والسياسي. لكن من السهل التغلب على هذه المشكلة فقط بقليل من الفهم والانفتاح الفكري من جانب الغرب.
ومن الأسباب الأخرى ، التي ربما تجعل الغرب يتبنى موقفاً متحفظاً، ان الإرث الكونفوشي يقترن في أذهان البعض بإعادة إحياء نزعة التشدد الإسلامية.
وربما يتبادر للذهن أيضاً إحياء الأصولية المسيحية المتشددة ذات العقلية المنغلقة على ذاتها. لكن الكونفوشية في الصين ليست مناهضة إلى هذا الحد للطرق الاجتماعية الليبرالية (باستثناء مناهضتها لأنماط الحياة الشخصانية المتطرفة، التي تكرس السعي إلى طيبات الحياة بشكل رئيسي خارج العلاقات الاجتماعية). وما تقترحه الكونفوشية هو بديل للطرق السياسية الغربية، وربما يكون هذا هو مصدر القلق الرئيسي. لكن هذا القلق ينبع من خطأ صريح، وهو افتراض ان عدم تأييد الديمقراطية بشكلها الغربي يعني تأييد الفاشستية.
في حقيقة الأمر ان الإصلاحيين الكونفوشيين عموماً يحابون الاتجاه نحو المزيد من حرية التعبير في الصين. لكن ما يشككون به هو اعتماد الأسلوب الغربي في الانتخابات التنافسية باعتباره الآلية المثالية لاختيار حكام البلد الأقوياء. ومن العيوب الرئيسية التي تعتري مبدأ «شخص واحد، صوت واحد» ان المساواة تنتهي عند حدود المجتمع السياسي، ويتم إهمال كل من هم خارجه.
ولذلك، يطرح الإصلاحيون الكونفوشيون مثلاً سياسية عليا، تهدف إلى تحقيق أداء أفضل من الديمقراطية الغربية، فيما يتعلق بتأمين مصالح كل من يتأثر بسياسات الحكومة، بما في ذلك الأجيال المستقبلية والأجانب.
والمثل الأعلى الذي يضعه هؤلاء نصب أعينهم ليس عالماً يعامل به الجميع على قدم المساواة، بل عالم يتم فيه التعامل مع مصالح الأفراد غير الناخبين بقدر أكبر من الجدية مما يحدث في معظم الديمقراطيات القومية. والقيمة الأساسية لتحقيق تلك المثل السياسية العالمية هي «الميريتوكراسية»، والتي تعني تكافؤ الفرص في التعليم والحكومة وتوزيع المناصب للقيادية فقط على أفراد المجتمع الأكثر استقامة وجدارة شخصية.
وتتلخص الفكرة في ان كل شخص لديه الإمكانات ليصبح نموذجاً أخلاقياً يقتدى به، لكن على أرض الواقع، نجد ان القدرة على إطلاق أحكام سياسية سديدة وصائبة أخلاقياً تتراوح من شخص لآخر.
جامعة تسينغهوا ببكين