في أسوأ توقيت، وفي أضعف موقف يمكن أن يكون عليه طرف يتفاوض، سيذهب الرئيس الفلسطيني أبومازن للتفاوض غير المباشر مع إسرائيل، بعد أن حصل على «الغطاء» المطلوب من الدول العربية في اجتماع لجنة متابعة مبادرة السلام العربية.
والتي وافقت على هذه المفاوضات، على أن تكون لمدة أربعة شهور فقط باعتبارها «محاولة أخيرة» لدفع عملية السلام وتسهيلاً لدور الولايات المتحدة، على رغم عدم الاقتناع بجدية رغبة إسرائيل في السلام!!
القرار يستند إلى التأكيدات الأميركية التي تلقاها أبومازن وعرضها على وزراء الخارجية العرب. ولو كانت هذه التأكيدات تمثل أي ضمان حقيقي للفلسطينيين لما احتاج أبومازن للغطاء العربي، ولما انتظر تأشيرة دخول عربية للمفاوضات التي قررتها أميركا وضغطت على الفلسطينيين والعرب لقبولها.
ولو كان أبومازن قد حصل على ضمانات أميركية حقيقية، لما انتظر «الغطاء» العربي، ولكنه بنفسه قال إنه لم يحصل على الضمانات التي أرادها، وما كان له أن يحصل عليها من إدارة عجزت عن إرغام حكومة إسرائيل على مجرد وقف الاستيطان، وتحولت بضغوطها لإرغام الفلسطينيين على التفاوض «دون شروط مسبقة».
وللطلب من العرب تشجيع إسرائيل بخطوات تطبيعية حتى وهي تنتهك سيادة الدول العربية وتهدد أمنها كما حدث أخيراً في قضية اغتيال المبحوح!!
هكذا بحث أبومازن عن الغطاء العربي ليوفر لنفسه مخرجاً يبرر به الانصياع لما طلبه نتنياهو منه بأن ينزل من على الشجرة التي صعد إليها. وها هو سيذهب للتفاوض (تحت حجة أنه غير مباشر) ليس فقط في ظل الاستيطان، بل أيضاً مع إضفاء الصفة الإسرائيلية على الحرم الإبراهيمي وقبر أيوب.
ومع استمرار مخططات الاستيلاء على الأقصى، ومع تأكيدات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بأنه لن يخرج من الضفة حتى لو حدث اتفاق، وأن الأغوار ستبقي تحت سيطرته.
ومع الرفض التام لأي حديث عن استئناف المفاوضات من حيث انتهت قبل ذلك مع رئيس الوزراء الأسبق أولمرت، أو الالتزام بحدود 67 بما فيها القدس الشرقية.
طوال العام الماضي كان الموقف الفلسطيني والعربي يؤكد رفض الاستمرار في التفاوض من أجل التفاوض، ودون مرجعية واضحة. الآن يذهب الفلسطينيون للتفاوض من أجل التفاوض!! يذهب أبومازن لمفاوضات يقول العرب إنها لن تؤدي لشيء، ومع ذلك فلابد من الذهاب إليها، لأن أحداً لا يملك البديل، ولذلك وافق الكل على ما طلبته واشنطن.
ولم يعترض أحد. فقط كان هناك «تحفظ» من سوريا وربما من غيرها.. ليس على التفاوض، ولكن على أن التفويض الذي أراده أبومازن ليس من اختصاص اللجنة، وأن التفاوض (مباشراً أو غير مباشر) هو قرار فلسطيني أولًا وأخيراً. كما أن التفاوض غير المباشر الذي أجرته سوريا مع إسرائيل تحت رعاية تركيا، والتي تؤكد يومياً أنها جاهزة لاستئنافه هو قرار سوري لا يحتاج لتغطية عربية.
بل إن وزير الخارجية السوري أكد في الاجتماع أن «دمشق ترى في توجه الإدارة الأميركية الحالية للانخراط الجاد في عملية السلام أمر إيجابي، ونافذة لفرصة يمكن البناء عليها!!».
وفي حيثيات تقديم «الغطاء العربي» للمفاوضات المقبلة، فإن العرب بعد الشهور الأربعة سيلجأون إلى مجلس الأمن، وسيطلبون من الولايات المتحدة عدم استخدام الفيتو، وهو ما يعرف الفلسطينيون والعرب أنه لن يحدث!! ومع ذلك فربما يكون الأهم أن نسأل: ماذا سيحدث خلال الشهور الأربعة المقبلة خارج هذه المباحثات التي لا يبني عليها أحد آمالاً كبيرة؟
إن القرار العربي بالتفاوض صدر في نفس الوقت الذي يفاوض فيه وزير الحربية الإسرائيلي باراك المسؤولين الأميركيين في واشنطن، وسينضم إليه رئيس الأركان الإسرائيلي أشكنازي.. ربما في سعي أميركي لتوحيد مواقف الرجلين وإخضاعهما للسياسة الأميركية في التعامل ؟ حرباً أو سلاماً ؟ مع إيران ومع سوريا.
وهنا ينبغي أن نقف أمام تصريحات باراك في واشنطن التي أكد فيها أن على الجميع أن يعترف بأن إسرائيل قوة عظمي قادرة على فرض السلام بقوتها، وأن العرب قد انتقلوا من مرحلة «لا تفاوض ولا اعتراف، وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بها» إلى مرحلة يتسابقون فيها على طرح خطط السلام مع إسرائيل.
هذه هي نظرة باراك المعتدل إلى العرب وما حدث لهم.. فكيف تكون نظرة نتنياهو وليبرمان؟ وأي سلام يمكن أن ننتظره من حكومة لا تتوقف عن التحريض على ضرب إيران أو الاستعداد للحرب ضد سوريا وتهديد لبنان؟
وأي نتيجة لمفاوضات نعرف مقدماً أنها لن تؤدي لشيء، ونقول من الآن إن ردنا على الفشل هو أن نطلب من أميركا ألا تستخدم «الفيتو»، ونعرف بالتأكيد أنها ستستخدمه، لأننا لا نملك ما يجبرها على احترام حقوقنا.
وليس بوسعنا إلا تقديم «الغطاء» لمفاوض فلسطيني يعرف أن مفاوضاته بلا جدوى، ثم الاكتفاء بالفرجة على المفاوضات الحقيقية التي تجري على الأرض بين القوى الفاعلة في المنطقة، والتي قد تكون الشهور الأربعة المقبلة فاصلة في تقرير مصيرها.. حرباً نكتوي نحن بنارها، أو اتفاقاً ندفع نحن أيضاً معظم فواتيره!!
كاتب صحافي مصري
