كشف تسليط الأضواء على عيوب التسارع المفاجئ في مركبات تويوتا عن التراخي في تطبيق الأنظمة والقوانين من قبل الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة بالولايات المتحدة، والمشكلات الخطيرة الناتجة عن تحرير هذا القطاع من القيود القانونية على مدار العقود الماضية.
ومع ارتفاع أعداد الوفيات والإصابات الناتجة عن تلك العيوب، وانخفاض مبيعات تويوتا بشكل حاد، آن الأوان لنسأل: لماذا لا يقوم المسؤولون عن السلامة في وزارة النقل بعملهم كما يتوقع منهم الناس؟
ويكمن جزء من المشكلة في جنون إزالة القيود القانونية، الذي ضرب واشنطن منذ سنوات رونالد ريغان، حيث تم منذ ذلك الحين تقليص دور الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة، واختزال ميزانيتها إلى النصف تقريباً، ما اضطرها إلى خفض أعداد كوادرها الفنية بشكل كبير.
ولقد أفاد خوان كلايبروك، رئيس الإدارة الأسبق، بأن هناك الآن حاجة إلى زيادة الميزانية بواقع 100 مليون دولار فقط، لضمان توفر الكوادر والقدرات الفنية للوفاء بالتزاماتها في مجالات معايير السلامة وقضايا الاسترجاع بسبب العيوب وتطبيق القانون والأبحاث.
وفي وقت تتسبب فيه حوادث السيارات سنوياً بقتل نحو 40 ألف أميركي وإصابة مئات الآلاف، لا تتجاوز ميزانية قطاع سلامة المركبات في الإدارة 140 مليون دولار فقط. في حين يتحمل دافعو الضرائب أكثر من أربعة أضعاف هذا المبلغ حوالي 675 مليون دولار، لحماية السفارة الأميركية في بغداد.
ولو كانت هذه الوكالة تحظى بتمويل أفضل وصلاحيات أكبر، للاضطلاع بدور الرقابة المنوط بها بشكل أفضل، لربما استطاعت التعامل بسرعة أكبر مع مشكلات تويوتا.
فلقد استحدثت تويوتا دواسات البترول الإلكترونية في 2002 في موديلات محددة من سيارات كامري ولكزس، ومنذ ذلك الحين ازدادت شكاوى المستهلكين إلى الإدارة بشأن مشكلة التسارع المفاجئ إلى أربعة أضعاف بالنسبة لتلك الموديلات. واستجابة إلى المطالب الرسمية في هذا الصدد، فتحت الإدارة عدة تحقيقات بشأن العيوب الفنية في سيارات تويوتا، بدون القيام بأي تحرك ملموس.
وبالنظر إلى الأنظمة المتراخية في الولايات المتحدة، لم يكن مفاجئاً ان أول رد من جانب شركة تويوتا على مشكلة التسارع المفاجئ المتواصلة منذ سبع سنوات تمثل في تحميل السائقين مسؤولية الخطأ، ثم الزعم بأن سبب المشكلة ناجمة عن احتكاك دواسة البترول بقطعة القماش التي توضع تحت رجلي السائق، ثم الاعتراف بأن العديد من الـ 3 ,2 مليون سيارة تويوتا، التي تم استدعاؤها في الولايات المتحدة، تستخدم دواسة بنزين معرضة فعلاً لمواجهة مشكلة التسارع المفاجئ.
لكن لولا حادث السيارة الذي التقطته كاميرات الطوارئ في سان دييغو، لما أقدمت تويوتا أصلاً على استدعاء سياراتها من أجل إصلاح تلك المشكلة الخطيرة.
لولا الكاميرات، لكان ذلك الحادث، الذي أودى بحياة ضابط دورية على الطرق السريعة والركاب الثلاثة الذين كانوا معه، قد عزي أيضاً، مثل غيره، إلى خطأ من السائق، وتم تجاهل الأمر.
ويأتي هذا التراجع في مستويات ومعايير الرقابة في وقت تزداد فيه التصميمات الهندسية للمركبات تعقيداً أكثر فأكثر. وحتى يومنا هذا، لا يوجد في الإدارة أي خبير في أنظمة السيارات الإلكترونية، رغم أن السائقين يعجزون عن السيطرة على السيارات بسبب تلك الأنظمة بالتحديد.
وتوصف سيارات اليوم بأنها كمبيوترات متحركة على عجلات، حيث يوجد فيها عدة معالجات دقيقة تؤدي وظائف مختلفة، بما في ذلك أداء التسارع. والتعقيد الذي يتزايد عاماً بعد آخر في هذه الأنظمة لا يخضع بشكل صارم لمعايير الأنظمة العامة. وشركات السيارات تحرص كل الحرص على عدم الكشف عن تلك الأسرار التجارية التكنولوجية. وهذا الوضع يعيق عقد مؤتمرات تقنية مفتوحة لمناقشة مشكلات السلامة وأفضل السبل المتوفرة لعلاجها.
والآن، في أعقاب فضيحة تويوتا، ينظر السائقون إلى عقلية الصناعة المنعزلة على أنها ضرب من ضروب الغرور، ولا بد من وضع حد لها.
التسارع المفاجئ مشكلة قديمة في صناعة السيارات. وقد سبق ان طلبت إدارة سلامة المرور على الطرق السريعة من شركة جنرال موتورز استدعاء 7,6 ملايين سيارة في عام 1971 بسبب وجود عيب في قواعد تحميل المحرك. وتويوتا نفسها اضطرت لاستدعاء عدد من المركبات بسبب مشكلة التسارع المفاجئ في 1986.
ومن البديهي ان إعادة بناء إدارة سلامة المرور إلى مستوى أفضل من القدرات التقنية والتنظيمية ضروري أيضاً لسلامة السائقين على الطرق السريعة. ومع ذلك فإن الرئيس الأميركي باراك أوباما قد اوصى بخفض ميزانية الوكالة لسلامة المركبات السنة المقبلة بواقع 8 مليارات دولار.
وعليه، بدلاً من ذلك، ان يقوم بتغيير كامل، ويدعو إلى تقوية هذه الوكالة الأساسية، موفراً كل الموارد والدعم السياسي الضروري لإنجاح تلك المهمة. نحن بحاجة إلى معايير جديدة، تطبق بقوة القانون مع التلويح بالعقوبات الجنائية. ونحن بحاجة إلى وكالة قادرة على القيام بالأبحاث والاختبارات الحاسمة في هذا السياق.
وتاريخياً، عندما كانت الولايات المتحدة تحدث معايير سلامة المركبات، كانت بقية الدول تقتدي بها. وعندما تزيل الولايات المتحدة القيود القانونية التي تضبط هذا المضمار، فستسير على خطاها دول أخرى على الأغلب.
من جانبها يجب على شركة تويوتا ان تقوم بتغييرات إدارية على أعلى المستويات، وتستعيد السيطرة على جودة مركباتها، التي كانت مضرباً للمثل في الماضي القريب، وتجري مراجعة شاملة لجميع أنظمتها الإلكترونية، وتنبذ ثقافة السرية والتلاعب بوكالات السلامة العامة.
وعلى شركات السيارات الأخرى، المنغمسة في عمليات البرمجمة المعقدة لأنظمتها الإلكترونية، أن تتعلم الدرس من مشكلات تويوتا، لتفادي المشكلات قبل حدوثها.
في فترة 1956-1966، عندما كنت أعمل على تمرير مشروع القانون الذي أنشئت بموجبه وكالة سلامة المرور على الطريق السريعة، كان من الواضح انه لا بد من مواصلة دور الرقابة الشعبية، من أجل مواجهة تأثير جماعات الضغط التي تعمل لحساب صناعة السيارات بالضغط على الكونغرس والوكالة.
ولذلك على السائقين الذي يواجهون أية مشكلات أو عيوب تقنية في سياراتهم، الاتصال فوراً بالرقم المجاني للوكالة، والتقدم بشكاوى رسمية على موقع مركز سلامة السيارات، وجعل مسؤوليهم المنتخبين يدركون أن قضايا السلامة يجب ان تعطى الأولوية على كل الأصعدة.
مرشح سابق للرئاسة الأميركية