تدرك أجهزة الاستخبارات الغربية وحكوماتها حتما أن «الموساد» يقف وبتفويض مكتوب من رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو وراء اغتيال القيادي في حماس محمود المبحوح في دبي الشهر الماضي. وثمة ضجة قائمة لديهم واستدعاءات للسفراء الإسرائيليين ومذكرات وتحقيقات وعدوا بإجرائها حول استخدام فريق الاغتيال لجوازات سفر بعض الدول الأوروبية، لكن لا داعي للتشبث بأية أوهام حول ما يمكن أن تقوم به هذه الدول حيال إسرائيل.

في مقال له نشرته صحيفة «الديلي تليغراف» البريطانية في 17 فبراير، يسلط مؤلف كتاب «جواسيس جدعون» غوردن توماس أضواء إضافية لعمليات «الموساد» مشيرا إلى أن «عملية اغتيال المبحوح تقدم مثالا كلاسيكيا على طريقة عمل الموساد» مضيفا «أن فريق الاغتيال المكون من 11 قاتلا تم اختيارهم من بين 48 قاتلا من فريق (كيدون - الحربة) الحالي في الموساد من بينهم 6 نساء (ديلي تليغراف، 17 فبراير 2010).

بل وذهب توماس ابعد من هذا عندما أشار في مقاله إلى أن خطة الاغتيال «تم وضع تفاصيلها النهائية في غرفة مؤتمرات قريبة من مكتب رئيس الموساد مائير داغان»، مذكرا بالقواعد التي وضعها رئيس الجهاز الأسبق مير عميت (كان رئيس الموساد أثناء حرب حزيران 1967) لعمليات الاغتيال وخصوصا «الإذن بالقتل» الذي يجب أن يكون موقعا من رئيس الحكومة.

والى تذكيره بقاعدة الصمت التي يلتزم بها «الموساد» بعد كل عملية ينفذها، يشرح توماس أن هذه القاعدة هي التي خلقت سمعة مرعبة للموساد سواء لدى العرب أو أجهزة الاستخبارات في العالم. لكنه وهو يمضي ليشرح بعض عمليات الاغتيال التي نفذها الموساد، يشير إلى تشابه عملية اغتيال زعيم منظمة الجهاد الإسلامي فتحي الشقاقي في فيوليتا عاصمة مالطا في 24 أكتوبر 1995 وعملية اغتيال المبحوح، حيث اغتيل الاثنان في غرفة فندق وترك القتلة على الباب ملصق «الرجاء عدم الإزعاج».

تبعات العملية مستمرة الآن، وفي هذه الأثناء يقدم نتانياهو دليلا إضافيا على انه سياسي صغير للغاية لا يمكن أن يستوعب أي درس أو أن يستقريء التاريخ بعناية وليس جديرا بأن يقود الإسرائيليين إلا إلى مزيد من الدمار والخزي الأخلاقي. انه يكرر نفس ما فعله في فترة رئاسته الأولى عام 1996 عندما هزم شمعون بيريز بعد بطولات الأخير في عملية «عناقيد الغضب» في ابريل 1996 التي توجها بمذبحة «قانا» في جنوب لبنان.

لقد كرر نتنياهو نفس ما فعله بالضبط في رئاسته الأولى، فأمر بعملية اغتال لرئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل في عمان أفشلتها شجاعة حارس مشعل والمواطنين الأردنيين وتوجهاي الملك الراحل حسين بموقف صلب. وقام أيضا بالتعدي على مواقع تاريخية فلسطينية في الحرم القدسي أثارت غضبة الفلسطينيين ودفعت بيل كلينتون لعقد قمة جمعته مع الراحل ياسر عرفات في واشنطن. أما بقية عهده ففضائح مالية واستعراضات إعلامية. وهاهو يكرر الأمر نفسه بعملية اغتيال المبحوح وبالتعدي على مواقع أثرية في مدينة الخليل. فما هي دوافع نتانياهو لكي يكون مسكونا بهاجسين أساسيين: القتل ونهب التاريخ.

ولعه بالقتل، دليل على شخصيته وشخصية غيره من القادة الإسرائيليين الذين يتميزون بالسادية ومجردين من أي حس سياسي مسؤول حيال الإسرائيليين أنفسهم. فمثله مثل شارون وأولمرت وباراك وباقي المخبولين لا يقترحون ولا يقدمون للإسرائيليين أي مستقبل أكثر من الخزي الأخلاقي على مستوى العالم كله والعيش في عزلة الإدانة الأخلاقية، القتل والمزيد من القتل.

أما هوسه بالاستيلاء على المواقع الأثرية العربية الفلسطينية، فهو يعود دون شك إلى شعور راسخ في وعي الإسرائيليين (وفي لاوعيهم أيضا) بأن كل هذه المواقع تذكرهم دوماً بان «الأرض ليست لهم». المواقع الأثرية الفلسطينية، أشجار الزيتون والبرتقال التي تقتلعها الجرافات الإسرائيلية مع البيوت، كلها علامات حية تذكر الإسرائيليين بالحقيقة المستقرة في وعيهم المليء بالأكاذيب والدعاية أن هذه الأرض ليست لهم، لهذا فهم لا جواب لديهم أو رد فعل سوى انعدام السوية والهمجية ولوازمها.

إنها همجية يفهمها الغربيون جيدا، لكن الغربيين مصابون بالعمى الأخلاقي ولا يظهرون سوى النفاق والمزيد من النفاق الأخلاقي. فللمصالح حاجات فوق الضمير الإنساني. لهذا لا يمكن أن يعلق المرء آمالاً على ردود فعل الحكومات الغربية حيال إسرائيل في عملية اغتيال المبحوح. فبعد حين ستسمعون وتقرأون أن المبحوح لم يكن سوى إرهابي مثل آخرين غيره في فاصل جديد من العماء الأخلاقي الراسخ حتى النخاع لدى الغربيين.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh