هذا المقال لا يمت لا من قريب ولا من بعيد بأي مستوى من التحليل السياسي من أي نوع ولا يدعي جديدا على الإطلاق، إنه ضرب من التعميم والتأكيد على مستور كان كذلك وبات مكشوفا أمام الجميع وفي كل الأصقاع وعلى كافة المستويات الفردية والجمعية المحلية والإقليمية والدولية.

ثمة حالة اصطفاف جيوسياسية متبلورة تماما في العالم عموما وفيما يعرف بمنطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص، حالة تعكسها بصورة تلقائية خارطة المصالح المتلاطمة فيما يتعلق بما سماه أوروبيون متنورون قدامى بالقضية اليهودية ذات المنشأ الأوروبي والمآل الأوروبي، اصطفاف ينقسم إلى معسكرين واضحين المعالم لا ينقصهما إلا حفر الخنادق ورفع المتاريس بينهما، معسكر مع إحلال يهود العالم، حلا لقضيتهم التاريخية الأوروبية، محل الشعب الفلسطيني وما يمكن أن تصل إليه اليد الطولى للحركة الصهيونية العالمية من بلدان وشعوب ومصالح عربية أخرى تحوم في فلك قلبها النابض فلسطين.

ذلك الاصطفاف لا يعترف بالجغرافيا ولا بالتاريخ ولا بالأعراق ولا حتى بالأديان في مشهد هو أقرب إلى أروقة المحافل الماسونية المظلمة والكواليس التي تنشط فيها المؤامرات والصفقات الرخيصة وعملاء المخابرات والاستخبارات، مشهد لا نغالي إذا وصفناه بالكوميديا الجيوسياسية السوداء التي تنحدر إلى ما دون مستوى النزاع السياسي أو الصراع العقائدي، كوميديا سوداء تم إفراغها عنوة وعلى مدار أكثر من قرن من الزمان من أي محتوى منطقي يستجيب لطبيعة الصراع الصهيوني العربي.

آخر فصول تلك التراجيديا شهدته أروقة الجامعة العربية في القاهرة الأربعاء الماضي عندما تمكنت سلطة رام الله من الحصول على غطاء عربي لمواصلة مفاوضات غير مباشرة مع الدولة العبرية أمنته لها لجنة المتابعة العربية في مشهد يضرب عرض الحائط بواقع متهلهل تعيشه المؤسسة العربية الجامعة بكل مكوناتها من قمة هرمها السياسية متمثلة بالقمم العربية حتى أصغر دائرة فيها، والأدهى من ذلك أن قرار هذه اللجنة أخذ طريقه إلى التنفيذ حتى قبل أن يجف الحبر الذي كتب فيه على خلاف معظم إن لم نقل كافة القرارات المتعاقبة التي اعتادت على اتخاذها، منذ عقود من الزمن، القمم العربية عموما والقرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية على وجه الخصوص.

وبذلك لا تكون لجنة المتابعة لمبادرة السلام العربية، ، قد تجاوزت صلاحياتها وخرجت على الإطار المحدد لتحركاتها المعطلة وعملها المجمد أصلا منذ تأسيسها في قمة بيروت العربية فحسب، وإنما تكون قد تجاوزت كذلك المنطق الذي يحكم النزاعات في العالم، والمتمثل في أن السلام يتطلب طرفين أو أكثر باتا يرغبان به بعد صراع طويل ومرير تخلله الكثير من أوجه النزاع والحروب والمعاناة والكر والفر وتبادل موازين القوى حتى باتت هذه متساوية أو شبه متساوية بينهما.

بحيث أصبحت تشكل إطارا رادعا لكلا الطرفين ولم يبق أمامهما سوى الجلوس على طاولة المفاوضات والتوصل إلى تسوية تضمن الحد الأدنى من مصالحهما المتنازع عليها، الأمر الذي يتناقض كليا وبصورة صارخة مع واقع الصراع العربي الصهيوني، الذي يتسم في المقام الأول برجحان كفة ميزان القوى في المنطقة لصالح الدولة العبرية بصورة مطلقة لا يختلف عليها عاقلان.

لا مستجدات طرأت على هذا المشهد المأساوي حتى ينحو العرب هذا المنحى السلمي الزائد عن اللازم، لا بل إن ذلك الميزان يزيد في كل يوم رجحانا لصالح تل أبيب وفي كل يوم يمر يحقق المشروع الصهيوني على الأرض مزيدا من التقدم والنجاح في كافة الميادين وعلى رأسها الاستيطان والتهويد والإبادة.

في حين يبدو أن العرب ومؤسستهم الجامعة لا حول ولا قوة لهم سوى التعبير عن أمان ونوايا حسنة لا محل لها من الإعراب في صراع هو الأقسى والأطول في تاريخ البشرية، ثم ألم يتساءل المعنيون الرسميون من العرب حول الأسباب التي دعت سلطة رام الله إلى العودة إلى الحضن العربي بعد أن راحت تدير له ظهرها صباح مساء وفي اتجاهات الأرض الأربعة.

ثمة إصرار على تعامل النظام الرسمي العربي مع مواطنيه على اعتبارهم مراهقين سياسيين من الدرجة الأولى وإعادتهم مرة تلو الأخرى وبلا كلل أو ملل إلى المربع الأول ليقفوا هناك أمام الحائط أو خلفه، لا فرق، ويقولوا لأنفسهم إن النظام الرسمي الجامع الذي يمثلهم يبقى خارج الحسابات والقوانين والنظم التي تحكم العلاقات الدولية.

bassil@albayan.ae