حددت اليونسكو يوم الحادي والعشرين من فبراير كل عام، يوما وطنيا للغات الأم، تقديرا لأهمية اللغة في حياة الشعوب والأمم والحضارات. وفي المقابل، نلاحظ أنه في الكثير من الدول العربية هناك من يفضل اللغة الأجنبية على اللغة الأم.
فضلا عن متطلبات الجامعات الكبرى والتخصصات العلمية، واستجابة لسوق العمل الذي يفضل من يتقنون اللغة الأجنبية على غيرهم.وتعاني لغة الضاد من عدم تدريسها بطرق ومناهج علمية، كما أثبت العديد من الدراسات أن الذين يدرسون اللغة العربية في مدارسنا لا يتقنونها!
قال سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم ؟إنا أنزلناه قرانا عربيا لعلكم تعقلون؟. فقد حملت اللغة العربية الإسلام ومفاهيمه وأفكاره ونظمه وقيمه وأخلاقه؛ كما أصبحت لغة الدين والثقافة والحضارة والعلم والمعرفة والحكم والسياسة، وقواعد ونظم السلوك والأخلاق والمنطق.
فما هو مستقبل اللغة العربية في عصر العولمة والإنترنت وثورة المعلومات؟
ما هي مكانة لغة الضاد في الخريطة اللغوية العالمية وفي الأوساط العلمية والفكرية؟ ما هو موقعها وما هي مكانتها في المحافل الدولية؟ وما هو موقعها ومكانتها في عقر دارها وبين أهلها وذويها؟
ما هي مكانتها ودورها في وسائل الإعلام المختلفة وفي المنتجات الفكرية والأدبية والإبداعية؟ وهل استعمال العامية واللهجات المختلفة أصبح شرط النجاح في التواصل مع الجمهور؟
أسئلة تستحق الوقوف والتأمل والدراسة، لأنها تثير قضية جوهرية في أيامنا هذه، وهي مكانة اللغة العربية في ضمير الأمة وفي وسائل الإعلام وفي حياة المواطن العربي، وفي وجدانه وطريقة تفكيره وعيشه.
الواقع يشير إلى أزمة معقدة تنتشر بسرعة فائقة ومذهلة، والأمر خطير لعدة اعتبارات، من أهمها أن العولمة وعصر الإنترنت والمعلوماتية لا ترحم ولا تشفق، ومن لا يحصن نفسه بالعلم والمعرفة والإنتاج الفكري والأدبي، فإنه سيذوب لا محالة في الآخر، وسيصبح كاللقيط الذي لا يعرف له لا أصل ولا فصل ولا تاريخ ولا جذور.
للغة قيمة جوهرية كبرى في حياة كل مجتمع وأمة، فهي الوعاء الذي يحمل الأفكار وينقل المفاهيم، ويقيم روابط الاتصال بين الفئات الاجتماعية المختلفة، فيفرز التقارب والتلاحم والانسجام.
اللغة العربية هي التي نقلت الإسلام ونشرته في بقاع الأرض، كما نقلت الثقافة العربية عبر العصور والأجيال. فاللغة العربية هي البيئة الفكرية التي نعيش فيها، وحلقة الوصل التي تربط الماضي بالحاضر والمستقبل.
إذا نظرنا إلى إشكالية اللغة، يجب أن ننظر إليها ليس كمجرد وسيلة بريئة أو كناقل للأفكار والمعاني والتجارب، وإنما كثقافة وحضارة وذاكرة اجتماعية. فاللغة هي هوية الشعب والأمة، وهي الرافد الرئيسي لتطوره وتقدمه وعلومه وابتكاراته واختراعاته.
واللغة هي القاسم المشترك الذي يجمع الأمة في التعبير عن أفراحها وأتراحها، وهي الناقل الذي يلّم الشعب ويوحده. فإذا أردنا أن نتكلم عن إشكالية اللغة، فإنه يجب علينا أن لا نفرغها من محتواها ومن أيديولوجيتها وأبعادها المختلفة، سواء كانت دينية أم سياسية أم حضارية أم أمنية أم قومية الخ.
فاللغة إذن، تحدد لنا كيف نفكر وكيف نلبس ونأكل ونمرح ونمزح، فهي وعاء كبير يحتوي معاني وأفكارا ومعتقدات وسلوكيات، تعكس الفرد في بعده الإنساني والحضاري والثقافي والاتصالي والديني والاجتماعي. لهذا نرى دولا كبيرة وعريقة تنفق الملايين سنويا لنشر لغتها، التي تعكس ثقافتها وحضارتها وتاريخها وواقعها بمختلف أشكاله ومضامينه.
ولذلك نجد أن دولة مثل فرنسا، تؤسس منظمة الفرانكوفونية وتنفق عليها بسخاء، لتحافظ على انتشار لغتها في إفريقيا وآسيا ودول كثيرة أخرى في أنحاء العالم.
وبريطانيا من جانبها، ومن خلال الكومنولث، تعزز كذلك مكانة اللغة الإنجليزية في العالم، ومن خلال اللغة ينشر البريطانيون حضارتهم وتاريخهم وطريقة معيشتهم ورؤاهم. فالمجلس الثقافي البريطاني يكاد يوجد في معظم العواصم والمدن الكبرى في العالم، أما البي بي سي فتسمع في معظم قرى وأرياف المعمورة.
وهنا نتساءل؛ ماذا فعل العرب لنشر اللغة العربية وجعلها لغة العلم والفكر والحضارة والدين الإسلامي؟ أين المراكز الثقافية العربية في العواصم العالمية؟ وما هو الدور الذي تلعبه الملحقيات الثقافية في السفارات العربية لنشر اللغة العربية؟
اللغة تقوى بشعبها وأمتها، وتقوى كذلك بالإنتاج العلمي والفكري والثقافي. فاللغة تفرض نفسها وتنتشر في العالم، بالعلم والمعرفة التي ترفدها. كما أن حركة الترجمة تعطي دفعا قويا للغة، للانفتاح والتثقف وتكييف فكر وعلوم الآخرين للمواطن العربي.
لكن الواقع مع الأسف الشديد، يبعث على التشاؤم وعلى الحسرة والألم، لأسباب عديدة، من أهمها أن الإنتاج العلمي والمعرفي والثقافي والفكري العربي لا يتجاوز 1% من الإنتاج العالمي. وهذا يعكس ضعف الاهتمام والاستثمار في هذا المجال، والذي يعتبر رافدا استراتيجيا للغة وانتشارها والاقبال عليها.
ففي العالم العربي أصبح الكلام يدور حول حماية اللغة العربية، وليس حول نشرها وتطويرها وتكييفها مع واقع العصر، لتبقى لغة العلم والمعرفة والتكنولوجيا.
أما ما وصلت إليه اللغة العربية في معظم وسائل الإعلام العربية، فشيء مخجل ومؤسف، حيث أصبحت غالبية هذه الوسائل، خاصة السمعية البصرية منها، تتفنن في استعمال اللهجات العامية الدارجة، والمبرر هو أن العامية بسيطة ومفهومة لدى الجميع.
لكن استعمال العامية بدلا من اللغة العربية الفصحى، يعود إلى بعض المستشرقين والحاقدين على العرب والمسلمين، الذين كانوا يهدفون إلى طمس الهوية العربية ودفن الإسلام والحضارة الإسلامية. ولذلك نجد الكثير من المستعمرين الفرنسيين في الجزائر، على سبيل المثال.
كانوا يصّرون ويشجعون على استعمال الدارجة والابتعاد عن الفصحى، وكانوا ينشرون كتبا بالدارجة ويشجعون كل من يستعمل العامية في التعليم والنشر والاتصال الرسمي، وهم في نهاية الأمر من نشروا ثقافة تزييف التعاليم الإسلامية وتحريفها وتجريدها من معانيها الصحيحة، من خلال شبكة من المشعوذين وأشباه الأئمة.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة