لم يكن في حديث محمد البرادعي، الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية والدبلوماسي المصري والحائز على جائزة نوبل، عن الحالة السياسية والدستورية المصرية شيء جديد يضيفه على الفهم العام، كما أن دعوته لإحداث الإصلاح السياسي في مصر قد سبقتها أقلام وأقوال كثيرة، كانت أكثر وضوحا وأكثر شدة.

إلا أن كل هذا الكلام عن الحالة السياسية والدعوة للإصلاح السياسي في مصر، قد اكتسب أهميته بفعل قائله، وليس بفعل جدة الكلام أو مضمونه.

فدعوات الإصلاح قد أطلقت كثيرا في مصر خلال العقود القليلة الماضية، إلا أن هذه الدعوات إما أنها لا تجد لها صدى في الشارع، أو أن قدرة القوى القائلة بها على إحداث التغيير ليست كما يأمل الشارع، أو أن النظام من القوة بحيث يستطيع أن يحيدها عن مسارها أو أن يفرغها من محتواها أو أن يطيح بالقائلين بها من قوى أو شخصيات سياسية.

ولا أعتقد أن دعوات البرادعي للإصلاح السياسي في مصر قد كانت مصادفة أو غير متوقعة. فهو الذي كان قبلها سفيرا مطلعا على ما يقال ويكتب عن الحالة المصرية، وهو كذلك كان في قلب العملية السياسية في أوروبا أو قريبا منها. فسنوات غربته مكنته من الحكم على الحالة القطرية، ومن أن يسمع ما يدور في أروقة الساسة الغربيين والمحليين، عن مصر ودورها وحالتها السياسية والاقتصادية.

فهي سنوات قد شكلت رؤاه الجديدة التي خرجت مع خروجه من منصبه العالمي، وهو خروج ما كان له أن يكون لو لا المكانة والسمعة العالمية التي بات يحتلها هذا الشخص في العالم.

والأفكار والرؤى التي ينادي بها، قد امتزجت دون شك بمكونات وتجربة شخصية للبرادعي ذاته، والتي أتاحت له أن يكون بهذه الجرأة التي بات الكل يعرفها عنه قبل أن تنطلق دعواته؛ في مواقفه الرافضة للضغوط والمواقف الأميركية والغربية من المشروع النووي العراقي سابقا والإيراني حاضرا، وفي مواقفه الناقدة للحالة النووية الإسرائيلية من جانب آخر.

إن فهم هذا الاهتمام الداخلي المصري والعالمي بدخول البرادعي على الحياة السياسية في مصر، لا يمكن فهمه إلا في ضوء تلك التطورات التي مرت بها مصر اقتصاديا وسياسيا خلال العقدين، وربما الأربعة عقود الماضية.

لقد أعيت سنوات العسر قطاعا مهما وكبيرا من المجتمع المصري، ولم تخرجهم محاولات الإصلاح الاقتصادي في العقدين الماضيين من عسر الحياة ليسرها.

ولم تغن كثيرا نصائح أو وصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في الخروج لحالة اليسر، رغم ما نقرأ عن بعض المؤشرات في دولة، هي الأولى في المنطقة التي عرفت في ثلاثينات القرن الماضي بتجربة البنوك الصناعية.

وقد يأتي تلكؤ محاولات النهوض الاقتصادي متزامنا، وربما معضدا، مع انسداد في الحياة السياسية وتوقفها، وفق ما يشير إليه الكثير من المؤشرات التي تطرحها التقارير الدولية وتقارير بعض المنظمات الحقوقية والدراسات الأكاديمية المصرية.

وهي دولة كانت قد عرفت معنى الحياة الدستورية مع العقود الأولى من القرن العشرين، ودولة قد خبرت شكلا من أشكال التداول السلمي للسلطة بين الأحزاب السياسية المختلفة، قبل عقود كثيرة، كما هي قد عرفت بنزاهة انتخاباتها البرلمانية.

رغم الحالة التعليمية التي كان عليها المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين، وهي الفترة التي شهد فيها المجتمع المصري حالة من الحداثة الحضارية: الاجتماعية والسياسية، رغم ما كانت عليه معدلات الأمية والدخل.

من هنا وجد المصريون في البرادعي أملا في الخروج من حالة قد باتت تضيق عليهم اقتصاديا واجتماعيا، لحالة قد لا يعرفون أين ستكون منعطفاتها. وهو أمل بات يراود قطاعا مهما من المجتمع المصري.

إلا أن الضوابط والتعقيدات التي تتم بها في إطار العملية السياسية، تجعل منها عملا لا يتم إلا في إطار النخبة السياسية القائمة.

وككل المجتمعات العربية التي تخضع فيها العملية السياسية في شقها الانتخابي لقدر ليس بسيطا من الضبط والتحكم، فإن اللا متوقع لا يمكن أن يكون حادثا، وإن رغبت في ذلك تلك الجموع التي رغبت في استقبال حافل لقدومه.

بل وإن وجد بعض من القوى السياسية المصرية العاجزة، أن الحل قد يكون في شخص اتصف بالنزاهة والأمانة والثقة والشهرة العالمية، وهي صفات بات المجتمع يراها نادرة في نخبه السياسية.

ومهما كان الموقف من دعوة البرادعي للإصلاح، فإن الهبة أو «الفزعة» التي استقبل بها عند وصوله لمصر، هي دعوات تُقلل من شأنها الضوابط التي تتم بها العملية السياسية على أرض الواقع.

بل إنها ضوابط قد هدفت لإحداث قدر من التحديد، في الداخل والخارج، من دائرة النخبة السياسية القائمة. وهي نخبة أو نخب تكاد أن تكون مقفلة، ليس من حيث عددها أو نوازعها، وإنما من حيث السياق الخطابي الحاكم لعملها على أرض الواقع.

وفي اعتقادنا أن عودة المحورية لدور مصر الإقليمي، لا يمكن أن تتم دون إعادة ترتيب لأوضاعها الاقتصادية والسياسية، بل دون أن تعود مصر تمثل نموذجا في النهوض السياسي والاقتصادي. أي أن تكون مصر نموذجا ناجحا ومهما في الإصلاح السياسي والحكم الرشيد، في المنطقة العربية.

فالدور الريادي لأي مجتمع من المجتمعات قد لا تعكسه الكثرة والثروة، وإنما تعكسه القدرة على أن تمثل سياسات الداخل الاقتصادية والسياسية، نموذجا للدول والشعوب في الإطار الإقليمي وربما العالمي أيضا.

وفي مجتمعات العالم الثالث، فإن تلكؤ النهوض والعجز عن إحداث الإصلاح، تنعكس في أزمات الداخل التي قد يأخذ بعضها حالة من التجاذب وصراع القوى بين أجنحة الحكم، أو صراعا اجتماعيا يأخذ بعدا دينيا متمثلا في صراع يدور بين تشدد ديني وآخر متسامح.

وفي صراع الطوائف بين أفراد الدين الواحد أو بين أديان مختلفة، أو في اضطرابات أحزمة الفقر على أطراف المدن أو في أحيائها الفقيرة، أو في الاضرابات العمالية وفي احتجاجات الطلبة والمثقفين.

وهي تجاذبات وصراعات لا يمكن حلها بالمداخل الأمنية التقليدية، وإنما بحزمة من مداخل الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري، وهي مداخل قد تتطلب إعادة بناء القوة وتوزيعها، وتغيير أدوار ومراكز اللاعبين الاجتماعيين والسياسيين..

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com