المتأمل في الوضع العربي الراهن، من شأنه أن يشعر بمرارة قاتمة، مما آل إليه هذا الوضع من تدهور وانحطاط لم يعرفه العرب في تاريخهم، وهم الذين كانوا يوما أسياد حضارة حكمت العالم لقرون طويلة.

ولا تزال معالمها شاهدة على صنائعهم في الفن والهندسة والطب، وكانت سببا في نهضة الغرب وفي إخراجه من عصوره المظلمة التي كان يتخبط فيها في العصور الوسطى.

وها نحن نتحسر عندما نقرأ كتب التاريخ العربي، ونجده يقول لنا إن آباءنا وأجدادنا كانوا يوما أسيادا يجوبون البحار والمحيطات، حيث امتدت فتوحاتهم من أرض الجزيرة العربية شرقا وغربا إلى أراضي أوروبا في حوض البحر الأبيض المتوسط..

ودار الزمان دورته، وتحولت أوروبا التي كانت تتكالب وتتقاتل فيما بينها، إلى قوة يحسب لها كل حساب، فيما أصبحنا نحن العرب موصوفين بالتخلف وشعوبا غير مرغوب فيها للعيش إلى جانب دول متطورة.

وعليه فقد أصبحنا مطالبين بالرجوع إلى مقاعد الدراسة لتعلم مبادئ العصرنة والحرية والديمقراطية وكيفية احترام الرأي الآخر، وهي شروط يتوجب الالتزام والعمل بها، لكي يسمح لنا بالظفر بمكان في هذا العالم الجديد!

الواقع الدولي الجديد، الذي أصبح واقعا معقدا تتداخل وتتشابك فيه مصالح الدول الاقتصادية والتجارية، حتى ذابت الدول في تكتلات كبيرة أزيلت فيها الحدود والحواجز الجمركية، وتحولت الشعوب والدول إلى اتحادات تتعاون في ما بينها على حل مشكلاتها، بل إنها بدأت تفكر في كيفية تصل بها إلى فكرة بناء دولة وحكومة واحدة.

تجمع جنسيات وقوميات تقاتلت في ما بينها قرونا مر التاريخ، وتسببت في حروب عالمية أوقعت الملايين من القتلى، فضلا عن الدمار والخراب، وبمجرد إلقاء نظرة على هذا الواقع الدولي، يتبادر إلى ذهننا سؤال نحتار في الإجابة عنه، وهو: أين نحن كعرب من هذا العالم الجديد؟ هل لنا مكان محترم فيه؟ أم أننا سوف نظل على هامشه على الدوام؟!

أوروبا تجمع اليوم أكثر من 350 مليون نسمة، هي خليط من أعراق وجنسيات ولغات وديانات متنوعة، ومع ذلك كله نجحت في تجسيد مشروعها الاندماجي بتوحيد كياناتها وعملاتها، وذلك لإيمانها بأن عالم اليوم لا يعترف بالدول المهزوزة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ولا يرحم الضعفاء. والنتيجة أن أوروبا اليوم عملاق اقتصادي وسياسي ومالي، بل فرضت عملتها اليورو على العملات الدولية.

فالعالم يتجه نحو بناء الأحلاف والتكتلات، لإيمانه بأن الهموم والمشكلات الدولية لا تقدر على حلها الدول منفردة، بل تحتم التعاون والتوحد لمواجهتها، ولكن أين نحن كعرب من هذه التحولات الدولية؟ هل استطعنا أن نتكيف معها ونفكر كغيرنا في مشاريع وحدوية نستطيع من خلالها أن نظفر بمقعد محترم في العالم الجديد؟

يبدو من واقعنا المؤلم أننا سوف نضيع فرصة صنع التاريخ من جديد، مثلما أضعنا فرصا عديدة قبلها استغلتها القوى الكبرى لصالحها، حتى تكالبت علينا واستعمرت أراضينا، وها نحن أصبحنا جاهزين لمرحلة استعمارية جديدة، لا نعرف كم سوف تدوم من سنوات وقرون!

والنتيجة ظهور فكر ايديولوجي متزمت، لا يؤمن بثقافة الحوار والانفتاح واحترام الديانات والثقافات، فقد عم الجهل الايديولوي والديني العالم العربي بأسره، وأصبحنا محاصرين بين نزعة أيديولوجية ترفض التكيف مع حركة الواقع الدولي الجديد، بما فيه من مبادئ العصرنة والليبرالية واحترام الثقافات والديانات.

وبين أنظمة سياسية لا يتقبل معظمها فكرة السماح بالتناوب على السلطة. فمعظم الشعوب العربية واقع تحت استبداد أيديولوجي وسياسي من جماعات تستبد بشعوبها أيديولوجيا، وأنظمة سياسية قمعت حريته وخنقت صوته عندما قال لها؛ كفى حان وقت التغيير.

إن ثقافة السلم والمصالحة مع الذات مطلوبة ومفروضة على الشعوب العربية، إن أرادت التغيير والخروج من المأزق الذي أرغمت على أن تكون فيه، فمن حق هذه الشعوب أن تعبر عن آرائها وتنفتح على ثقافات العالم، لأن ديننا دين الوسطية يدعو إلى الحوار والتعايش السلمي مع الثقافات الاخرى.

والعالم اليوم يتجه نحو الثقافة الكونية، حيث تتعايش شعوب العالم مع بعضها دون أن تفقد هوياتها وثقافاتها ودياناتها، ولم يعد في مقدرة دولة واحدة أن تواجه مشكلاتها بمفردها، بل هنالك اليوم «هموم دولية» تستدعي من جميع دول العالم مواجهتها مجتمعة، كمشكلة الأوزون والسلاح النووي والاحتباس الحراري ومرض الايدز وغيرها.

وجميعها تعتبر تحديات جديدة تفرض الاعتماد المتبادل بين الدول، ومثل هذه التحديات يفترض أيضا من الشعوب العربية أن تفكر فيها وتشارك في إيجاد حلول لها، لأنها جزء من هذا العالم.

ولكن قبل ذلك، عليها أن تصنع مصيرها المستقبلي بنفسها، وتتحرر من الفكر الأيديولوجي الدخيل الذي يريد أن يعيدها إلى عصور الظلام، ومن تلك الأنظمة التي تستبد بعقول شعوبها.

ونحسب أن بقاء العالم العربي على واقعه الراهن، سيزيد تآكل البنية العربية من الداخل، وقد حان الوقت لفتح حوار جاد والتفكير فيما يجب التفكير فيه، لإحداث ثورة في العقل العربي قد تعيده إلى صوابه.

Khiredine12@hotmail.com

د. خيرالدين العايب (2)

Khiredine1@yahoo.fr