«هل ميدفيديف هو رئيس روسيا؟».. هذا ليس سؤالا تحريضيا يستخف بعقول القرّاء، لكنه عنوان أحد مقالات صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية لعددها الصادر يوم الأول من شهر مارس الجاري.

أي في اليوم الأول من زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف للعاصمة الفرنسية باريس، من أجل الافتتاح الرسمي لعام روسيا في فرنسا وفرنسا في روسيا.

ومثلما هي التقاليد في زيارات الدولة، شملت لقاءاته رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس الشيوخ ورئيس الجمعية الوطنية ورئيس بلدية باريس، ولم ينس زيارة كنيسة نوتردام الشهيرة.

لكن، وفيما هو أبعد من أعراف الدبلوماسية، هناك سؤال كبير يجول في أذهان الغالبية العظمى من الفرنسيين، كي لا نقول كلّهم، وهو؛ إلى أي مدى نجح ميدفيديف في تأكيد سلطته مقابل فلاديمير بوتين، رئيس حكومته اليوم والرجل القوي الذي حكم روسيا لمدّة ثماني سنوات والذي دفع به إلى قمّة السلطة؟

إن فرنسا تطمح إلى أن تجعل من روسيا «شريكا».

وهي تلعب ورقة ميدفيديف بوضوح، على اعتبار أن مثل هذه الشراكة ممكنة معه أكثر مما هي مع بوتين. ولم يتردد وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير في القول قبل فترة وجيزة لعدد من الصحفيين، إن «جيل ميدفيديف هو غير جيل بوتين».

ويردد المحللون والأخصائيون الفرنسيون في الشأن الروسي، أقوالا تصبّ في القول عموما، مثل أن: «ميدفيديف أكثر انفتاحا وأكثر تعاطفا حيال الغرب» من بوتين.

مثل هذه الأطروحة في تفضيل ميدفيديف «الطيّب» و«الليبرالي» المتحرر من الإرث السوفييتي، على بوتين «الشرير» وضابط الكي.جي.بي السابق، تجد صداها في الكثير من الأدبيات والمقالات والتصريحات الفرنسية.

وهي أطروحة يتم استخدامها أيضا على جميع المستويات الرسمية، من أجل تبرير الاختيار الفرنسي بالتوجّه نحو «الشراكة «مع روسيا. ولكن هذا التوجّه تمليه أوّلا وأساسا المصالح، ثمّ قد تأتي أهمية الأشخاص.

وباريس تدرك أن «حلم تغيير روسيا» على يد ميدفيديف ليس سهل التحقق، ولا يبدو أنه قد «زاح» ولو قليلا،عن الخط الذي انتهجه بوتين تقليديا على صعيد السياسة الخارجية في مختلف القضايا. ثمّ إن التغيير، إذا كان مطروحا، مرهون بموازين القوى، خاصّة في بلد مثل روسيا.

وسؤال ستالين: «كم فرقة عسكرية يمتلك البابا؟»، يمكن أن يردده فلاديمير بوتين الذي يسيطر في روسيا اليوم على الجيش وقوات الأمن، أي على ركائز السلطة، بينما ميدفيديف غريب عنها إلى حد كبير.

لا شك أن باريس تفضّل ميدفيديف على بوتين، لكن هدفها في الحالتين هو الشراكة مع موسكو، التي تريد أن تجعل منها ورقة توازن في العلاقة مع واشنطن. وليست قليلة الأصوات في فرنسا التي تدعو صراحة للرهان على محور باريس ـ برلين ـ موسكو، والابتعاد عن واشنطن.

ولا يتردد البعض في استخدام تعبير «الابتعاد عن الامبريالية الأميركية». كذلك يفكّر كُثر بما لا يصرّح فيه غير القلّة، ومفاده أن الفرنسيين يرون في الشراكة مع موسكو عنصر توازن في مواجهة «الهيمنة الألمانية» في أوروبا.أمّا روسيا فإنها تجد في الشراكة مع فرنسا بوّابة هامّة لتثبيت موقعها أوروبيا ودوليا.

وفي مثل هذا الأفق، وعلى خلفية مقولة «روسيا الكبرى من الأطلسي إلى فلاديفوستوك»، طرح الرئيس الروسي ميدفيديف فكرة معاهدة للأمن الأوروبي تستجيب لمتطلبات الحاضر، خاصّة بعد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وتتجاوز نهائيا منطق «الحرب الباردة».

بل وتطمح روسيا إلى الانطلاق من هذه المعاهدة، لخلق «إطار» يشمل روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية؛ أي ما يشبه التطلّع إلى تعديل المفهوم الأطلسي القائم، بحيث تكرّس روسيا عودتها كقطب أساسي على المسرح الدولي.

في مثل هذا السياق، غيّرت فرنسا مواقفها حيال روسيا. هذا ما يبدو بوضوح في التغيير في مواقف الرئيس ساركوزي نفسه، بين ما قاله سابقا عن الجرائم الروسية حيال الشيشان، وبين أخذه الرئيس الروسي اليوم بالأحضان.

ربما أن عواطف الرئيس ساركوزي لم تتغيّر، وإنما مصالح السياسة وحساباتها هي التي تغيّرت. إذ بدا لباريس أنه من السذاجة الاستمرار في الجفاء حيال موسكو، بينما تتسابق ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا لتوقيع العقود معها. وهكذا حسمت باريس أمرها في اتجاه التقارب الاستراتيجي مع موسكو.

وكانت موافقة الإيليزيه، رغم معارضة وزارة الخارجية في البداية، على مشروع شراء روسيا لأربع سفن «ميسترال» المتقدّمة، مؤشرا ذا قيمة رمزية كبيرة في تصميم باريس على المضي بعيدا في تقاربها الاستراتيجي مع موسكو، فهذه هي المرّة الأولى التي تقبل فيها دولة عضو في الحلف الأطلسي بيع سفن من هذا الطراز إلى روسيا منذ عام 1949.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr