جوزيف ستالين هو الوحيد من بين زعماء الاتحاد السوفييتي السبعة، الذي ما زال اسمه يتردد، وصوره ترفع، وتصاغ حوله الكتابات وتصنع الأفلام السينمائية. وهذا في حد ذاته أمر طبيعي بالنسبة للشعب الروسي، بغض النظر عن وجهات نظر الآخرين، وبخاصة في الغرب، عن ستالين ووصفهم له بالدكتاتور المستبد الذي أعدم الملايين.
وإذا كان البعض داخل روسيا يؤمن بهذا الكلام، والبعض الآخر يروج له لمصالح سياسية، والبعض متشكك ويعتقد بأن الأمور مبالغ فيها كثيراً، إلا أن غالبية الشعب الروسي ترى في ستالين أنه هو الذي أسس الدولة السوفييتية العظمى، وصنع أكبر أمجادها، وهو قائد النصر على النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية.
لقد نجح ستالين في دفع روسيا وغيرها من الجمهوريات السوفييتية، نحو قمة التقدم الصناعي والتكنولوجي آنذاك. وغالب الظن، مع ذلك، أن الناس الذين يشربون نخب ستالين في هذه المناسبة أو تلك، لا يريدون أن يعود النظام الستاليني إلى بلادهم على أرض الواقع.
لأنهم يعلمون أن التجربة لم تكن خالية من المساوئ، لكن على الرغم من هذا كان فيها من الإيجابيات ما يستحق الذكر والدراسة الآن. وتردد اسم ستالين على ألسن الناس، إن دل على شيء.
فعلى أن هناك إيجابيات كثيرة في التجربة الستالينية تمكن الاستفادة منها، وبالأخص في مواجهة الأزمة المالية والاقتصادية الحالية. فقد واجه ستالين أزمات اقتصادية حادة للغاية، وصلت في أحيان كثيرة إلى حد المجاعات.
لكنه لم يهتز ولم يتراجع، بل كان صلباً وقوياً، وربما شرساً وحاداً للغاية في وقت الأزمات، وكان يضرب بيد من حديد على رؤوس الفاسدين والمرتشين الذين كانوا يستغلون ظروف الأزمة، وكان أيضاً يبث الرعب والفزع في نفوس من يمتنعون عن مساعدة الآخرين.
الكلام عن الحقبة الستالينية كثير، لكن الحقيقة التي أدركها الشعب الروسي مؤخراً، هي أن هذا الرجل لم يأخذ حقه في التاريخ، وأنه رغم عيوبه ومساوئه فإنه ظُلم كثيراً، وربما هذا ما دفع شخصية وطنية مثل رئيس الوزراء فلاديمير بوتين، لأن يعيد لهذا الزعيم التاريخي مكانته وقدره.
فقد أمر بوتين بأن يعود ستالين إلى صفحات كتب المدارس في روسيا، كبطل قومي صنع الكثير من أمجاد هذه الأمة في وقت عصيب.ونحن على يقين أن بوتين لا يطمح إطلاقاً لأن يكون نسخة جديدة من ستالين، بل نعتقد بأن هناك دوافع سياسية خارجية تدفع بوتين والنظام الحاكم الآن في روسيا إلى استعادة أمجاد ستالين.
هذه الدوافع التي ظهرت مؤخراً مع الحملة التي يشنها البعض في بلدان مثل بولندا ودول بحر البلطيق، ويحاولون فيها أن يشوهوا صورة تاريخ الاتحاد السوفييتي.
فقد ظهرت دعوات في بولندا تتهم ستالين بأنه هو السبب في الحرب العالمية وفي نكبة الأوروبيين أمام النازي هتلر، ويستندون في ذلك إلى حدث وقع قبل سبعين عاماً، عندما وقعت ألمانيا اتفاقية عدم اعتداء مع الاتحاد السوفييتي في 23 أغسطس 1939.
وهو ما يسمى «اتفاق مولوتوف ـ ريبينتروب» وزيري خارجية البلدين، وبعد الاتفاق بثمانية أيام اندلعت الحرب العالمية واكتسحت ألمانيا بولندا. واعتبر هؤلاء المزورون للتاريخ، أن ستالين اتفق مع هتلر، ويتناسون أن ستالين هو الذي دحر قوات النازي وطارده حتى مقر إقامته في برلين.
وقد كتب المحلل الألماني الكسندر رار يقول: «لو لم تعقب الحرب العالمية الثانية حرب باردة، لما جادل أحد في بولندا وغيرها من دول العالم، في أن الحرب العالمية الثانية بدأتها ألمانيا، في حين أوقفها الاتحاد السوفييتي الذي حرر أوروبا من الطاعون النازي وقضى على هتلر في مكتبه في برلين».
الآن تستعد روسيا والعالم للاحتفال بالذكرى 65 للانتصار على النازي في الحرب العالمية، في 9 مايو المقبل، وصرح نائب رئيس بلدية موسكو فلاديمير ماكاروف قائل: إن صور ستالين ستزين مدينة موسكو بمناسبة هذه الذكرى، كما ستظهر في شوارع موسكو لافتات مضيئة تُظهر دور ستالين في إحراز الانتصار التاريخي، وهكذا يكون الرد على مزوري التاريخ.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني