لتحديد مفهوم الوحدة الوطنية، علينا أن نحدد معنى هاتين الكلمتين أو المصطلحين وعلاقتهما ببعضهما، حيث يُحدد المعني على أساس المواطنة والانتماء، والالتفاف حول أسسهما والأهداف المشتركة للوطن.
ففي أي مجتمع تتعدد الولااءات والانتماءات الإثنية، لكن لا بد من قاسم مشترك يجمع تلك الانتماءات، ليتقدم عليها الانتماء والولاء للوطن.
وتفسير مصطلح «الوطنية» قد يختلف في فهمه لدى البعض، حيث يرون أنه مشتق من الوطن، وآخرون يرون أنه يعني الروح والثقافة الوطنية. ولما كانت ولا تزال الانتماءات القبلية والطائفية مؤثرة في حياتنا الاجتماعية والسياسية، فإن تأثيرهما كبير على الوحدة الوطنية.
ويمكن أن يكون ذلك التأثير إيجابياً أو سلبياً، فالانتماء القبلي أو الطائفي أمر طبيعي في المجتمعات العربية، ولكن بعد قيام الدولة المدنية في إطار الدستور والقانون، أصبح الواجب أن يكون الانتماء الأول لهذا الوطن.
ثم تأتي بعد ذلك الانتماءات الأخرى، والذين يقدمون انتماءاتهم الإثنية على الانتماء للوطن، يضربون الوحدة الوطنية في الصميم.
وقد يتحدثون عن الوحدة الوطنية كشعار يخفى خلفه نفساً قبلياً أو طائفياً، وهنا يكمن الخطر، وكثيرون أيضاً يتحدثون عن الوحدة الوطنية ويعملون على أرض الواقع لهدمها. فلا أحد يقول إنه ضد الوحدة الوطنية، لكنه في حقيقة ممارسته السياسية والاجتماعية أو غيرها، يناقض بسلوكه مفهوم الوطنية ومعناها الحقيقي.
نعرف مدى معاناة الذين يتمردون على تقاليدهم الفئوية ليركزوا على الانتماء للوطن أولاً، لكن هذه ثقافة لا بد من طرحها حتى لو كان هناك تحدٍّ، لأننا في مرحلة تاريخية تتطلب تركيز الجهود على ترسيخ الدولة المدنية وتعميق الانتماء لها، ليس على حساب الانتماءات الأخرى، ولكن ليتقدم الانتماء لها على تلك الانتماءات.
من هنا نستطيع أن نبدأ بترسيخ وتأكيد الوحدة الوطنية، ثم تطوير مفهومها قولاً وعملاً. ويعتقد الكثيرون أن التحديات والأزمات تؤكد وتؤدي إلى تحقيق الوحدة الوطنية.
وقد نختلف مع هؤلاء، حيث يجب أن تتحقق الوحدة الوطنية في ظل الأوضاع الطبيعية التي يعيشها المجتمع، ولا ينبغي أن ننتظر التحديات والأزمات لتؤكد وجودها.
وفي دولنا النامية التي تعيش مخاضاً على جميع المستويات، وفي فترات الضعف والفساد، تظهر على السطح السلبيات والنزعات الإثنية، فيخرج علينا بعض أدعياء الوحدة الوطنية ليرفعوا هذا الشعار، وفي حقيقة الأمر يعملون ضده.
وسواء كان أولئك يدركون أو لا يدركون خطورة فعلهم وتأثيره، فإن تيار الإصلاح والوحدة الوطنية الحقيقي يجب أن يثبت وجوده، ولا يسمح لأدعياء الوحدة الوطنية بتخريبها.
فعندما تمر بلداننا في بعض الفترات بأزمات سياسية أو اجتماعية أو غيرها، نرى الجميع يرفع شعار الوحدة الوطنية، وهذا شيء جيد، ولكن أعداء الوحدة الوطنية قد يختفون وراء الشعار ليحققوا مآربهم، وهذا يثير سؤالاً هو: هل هناك بالفعل من هم ضد الوحدة الوطنية؟
نحن لا نفترض أو نتحدث عن مجتمعات مثالية، حتى في الدول المتقدمة، لأنه في أي مجتمع هناك من يعمل لمصالحه، وهذه قد تتعارض مع الوحدة الوطنية فيلجأ إلى معاداتها، ولا يريد أن يظهر أمام الناس بأنه معاد للوحدة الوطنية، فيستخدم الشعار ليعمل ضده.
وفي حياتنا الكثير من ذلك، ففي فلسطين صراع القوى الوطنية تحت شعار الوحدة الوطنية لكل الأطراف، وفي إيران صراع المحافظين المتشددين والإصلاحيين تحت شعار الوحدة الوطنية، وصراع الأضداد في العراق تحت شعار الوحدة الوطنية، وغير ذلك يحدث في واقعنا ومجتمعاتنا المعاصرة.
يتحدث بعض زملائنا عن أنه يجب وضع النقاط على الحروف في بحث هذه القضايا الأساسية والحساسة، وعلينا أن نتحدث بصراحة عن الواقع الذي نعيشه، وهذا كلام في محله وملاحظة مهمة وصحيحة.
ويمكن أخذها بعين الاعتبار عندما يعقد مؤتمر وطني حول موضوع الوحدة الوطنية أو يكتب بحث عنها، ولكن في حدود مقال لينشر في الصحافة، فإن الحر تكفيه الإشارة، ونحن نتحدث لشريحة من الناس تدرك ماذا نعني وماذا نريد من طرح هذا الموضوع في هذا الوقت.
نقول وبوضوح إن واقعنا يعج بالكثير من الممارسات الخاطئة تحت شعار الوحدة الوطنية، وحتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود، لا بد من شرح وتوضيح حقيقة هذا المصطلح والتعامل معه في واقعنا، ولا ندعي في الوقت نفسه حق الإفتاء الصحيح في هذا الموضوع، ولكنها وجهة نظر ورأي نطرحه وهو قابل للنقاش.
أما مستقبل الوحدة الوطنية، فهو مرهون بفهمها، وإدراك مدى أهميتها، والعمل على تدعيمها، وهذه تحتاج إلى خطوات فعلية في مناهجنا وتعليمنا العام منذ المرحلة الابتدائية.
كذلك يتحمل أصحاب القرار في دولنا مسؤولية في الإجراءات والقرارات التي يتخذونها، لتعزيز الوحدة الوطنية، إضافة إلى دور يجب أن يضطلع به المثقفون في مجتمعاتنا، فعليهم مهمة توضيح هذا المفهوم وتعميق الإيمان به.
وخاصة لدى أجيالنا الجديدة التي ستتحمل مسؤولية بناء مجتمعاتنا في المستقبل، ولا نريد أن يشوه مفهوم الوحدة الوطنية وتطبيقاته لديها. فليس المطلوب التمسك بالشعار، بقدر ما يجب فهم مضمونه، وتطبيقه بما يحفظ لهذه المجتمعات تماسكها وقوتها، حتى تحقق تطورها وتقدمها وتحافظ على مكتسباتها.
كاتب كويتي