لماذا فضلت حكومة السودان إبرام اتفاق مبدئي مع فصيل دارفوري واحد (حركة العدل والمساواة) بقيادة د. خليل إبراهيم؟
لأنه من بين كافة الفصائل، هو الفصيل الأقوى عسكريا وتنظيميا. لكن هذه الإجابة لا تؤدي رغم صحتها، إلا إلى طرح سؤال آخر: هل «العدل والمساواة» تمثل الأغلبية العددية لشعب دارفور بما يمنحها التفويض الشعبي الكامل للتصرف نيابة عنه؟
شعب دارفور يتكون من عدد من قبائل وعشائر، مصنفة كقبائل عربية وقبائل إفريقية. وبينما يحدد الانتماء القبلي والعشائري توزيع الولاءات السياسية للأفراد والجماعات في الإقليم، فإن حركة العدل والمساواة لا تمثل سوى قبيلة واحدة من بين مجموعة القبائل الإفريقية، وهي قبيلة الزغاوة.
بواسطة البندقية تستطيع الحركة أن تفرض نفسها على المحيط السياسي في ظروف حرب مشتعلة، فتدعي بذلك لنفسها شرعية تمثيلية كاملة لأهل دارفور أجمعين. لكن هذا لا يعني أن بوسعها أن تحقق نجاحا كاسحا بنفس القدر، من خلال صندوق الاقتراع في ظروف استقرار سلمي.
هذا هو المنظور الذي ينبغي علينا من خلاله أن نتفحص الاتفاق المبدئي، الذي أطلق عليه «اتفاق إطار»، المبرم بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة، وما إذا كان هذا الاتفاق قابلا للصمود على أرض الواقع.
وثيقة الاتفاق الاطاري ليست اتفاقية سلام، وإنما هي أشبه بإعلان مبادئ، يقتصر فقط على ذكر البنود والعناوين الرئيسية التي ترسم حدودا عملية المفاوضات المفترض أن تبدأ بصورة فورية، وعلى مدى زمني محدد بيوم 15 مارس الجاري. في هذه البنود والمحاور، مثلا، اقتسام السلطة، واقتسام الثروة، وتعويضات لضحايا الحرب من نازحين ولاجئين.
لقد جرى التوقيع على وثيقة الاتفاق يوم 23 فبراير المنصرم في الدوحة، وسط مهرجان احتفالي برعاية أمير قطر ومعه رؤساء السودان وتشاد وارتيريا. لكن الفرحة الاحتفالية كانت في ما يبدو سابقة لأوانها، وذلك لأن التوصل إلى اتفاق سلام نهائي وشامل لا يزال في رحم الغيب.
ومن ناحية أخرى، بقي تساؤل: كيف تبدأ العملية التفاوضية نفسها بينما تبقى فصائل دارفورية أخرى خارج العملية تماما؟
هنا تتجسد عقبة كأداء ومعقدة، حيث شكل عدد من الفصائل كتلة موحدة. وبينما ترحب الحكومة السودانية بإجراء عملية تفاوضية منفردة مع هذه الكتلة، فإن «العدل والمساواة» ترفض بحزم أي مفاوضات «موازية»، وتهدد بالانسحاب من الاتفاق الإطاري إذا جرت مثل هذه المفاوضات.
وبذا ترى قيادة الحركة أن تكون هناك عملية تفاوضية واحدة، بعد انضمام قادة الفصائل الأخرى إلى وفد الحركة.
بكلمات أخرى؛ فإن ما تريده حركة العدل والمساواة، هو الانفراد بقيادة وتسيير المفاوضات مع الجانب الحكومي، بحيث لا تكون الفصائل الأخرى سوى جزء ثانوي لا يتجزأ من الحركة، وكأنها ـ أي الحركة ـ هي الممثل الأوحد لشعب دارفور بكل قبائله وعشائره.. فقط لأنها الأقوى عسكريا وتنظيميا.
قيادة «العدل والمساواة» لها، في ما يبدو، أجندة خفية، تتمثل على المدى البعيد في احتكار سلطة الحكم الإقليمي لقبيلة الزغاوة، تمهيدا لتحويل الإقليم إلى دولة زغاوية مستقلة.
هذا يعيد إلى أذهاننا قضية جنوب السودان و«الحركة الشعبية»، التي أنشأها الزعيم الجنوبي الراحل جون قرنق.. واتفاقية نيفاشا المبرمة بين الحكومة السودانية والحركة قبل خمسة أعوام.
وعلينا أن نستذكر أن العملية التفاوضية التي أفرزت اتفاقية نيفاشا، كانت عملية ثنائية شاركت فيها قيادة «الحركة الشعبية» وحدها مع الجانب الحكومي، وكأنها الممثل الشرعي الأوحد لشعب جنوب السودان بكل قبائله، علما بأن قيادة الحركة وعضويتها لا تنتمي إلا إلى قبيلة واحدة هي قبيلة «الدينكا».
ما تريده حركة العدل والمساواة هو، إذن، طبعة جديدة من «نيفاشا»، بما في ذلك ليس فقط احتكار الحكم الإقليمي في دارفور، وإنما أيضا ـ ولهذه الغاية ـ الاحتفاظ بجيشها في الإقليم، وحرية إقامة علاقات خارجية مع العالم، وأن تشارك مع ذلك في سلطة الحكم على المستوى المركزي في الخرطوم.
بالطبع، لا تجهر قيادة «العدل والمساواة» بهذه المطالب في الظرف الحاضر، لكن هذا هو ما يستفاد من قرائن الأحوال. وفي مقدمة هذه القرائن، أن قيادة الحركة ترفض دخول تجربة تنافسية انتخابية على المستوى الإقليمي في دارفور، لأن صندوق الاقتراع هو الذي يحدد الوزن الشعبي لأي تنظيم.
وبما أن الحركة لا تنتمي إلا إلى قبيلة واحدة، فإنه لن يكون بوسعها اكتساح انتخابات في إقليم متعدد القبائل، يتحكم الانتماء القبلي في ولاءاته السياسية. لكن على أية حال، ليس من المرجح أن نرى اتفاق سلام شامل خلال 11 يوما فقط من الآن>
أي بحلول اليوم الخامس عشر من مارس الجاري، السقف الزمني المتفق عليه بين الحكومة و«العدل والمساواة»، الذي روعي فيه اقتراب موعد الانتخابات العامة والرئاسية، المقرر سلفا إجراؤها على مستوى السودان بأكمله في 13 إبريل.
فكيف يمكن التوصل إلى اتفاق سلام نهائي، في غياب اتفاق على كيفية التركيبة التفاوضية وتسيير المفاوضات؟!
كاتب صحافي سوداني