جاء التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع لعام 2010، تحت عنوان «السبيل إلى إنصاف المحرومين»، ليضع بين يدي القارئ حقائق هامة حول الخوف من تداعيات الأزمة المالية الاقتصادية الراهنة، التي يمكن أن تقوض العديد من الإنجازات التعليمية التي تحققت خلال العقد الماضي. فالتقرير في محتواه العام يهدف لدق ناقوس الخطر.

ضد الأزمات التي سوف يواجهها العديد من الدول في مجال التنمية الاجتماعية، وعلى رأسها التعليم. وتلعب المؤشرات دورا كبيرا في هذا السياق، من أجل توضيح الأوضاع التي يواجهها الكثير من مناطق العالم منذ العام 2008 وحتى الآن، والتي تناولت العديد من الجوانب السلبية، بما في ذلك أزمة الغذاء العالمية.

يُقدر عدد الأشخاص الجدد الذين عانوا من سوء التغذية عام 2009 بنحو 125 مليون نسمة، كما أن عدد من سيصنفون في عداد الفقراء عام 2010، سوف يصل إلى 90 مليون نسمة.

ومما يساعد على استفحال التأثيرات السلبية للأزمة المالية الاقتصادية، أنها جاءت في أعقاب ارتفاع عالمي حاد في أسعار الأغذية خلال الفترة بين عامي 2003 وحتى 2008.

وهو أمر أضر بالبيئة الاقتصادية الحاضنة لعملية تحقيق الأهداف الإنمائية المرجوة بحلول عام 2015، بما فيها الأهداف التعليمية ذاتها، وأدى إلى تراجعها. ففي بنغلاديش على سبيل المثال، أفاد أحد الاستقصاءات أن ثلث الأسر الفقيرة تقريبا خفضت الإنفاق على التعليم، لتعويض النقص في الدخل الناجم عن ارتفاع أسعار الغذاء.

ومع تصاعد نسب الفقر وما يرتبط بها من بطالة وتناقص للمساعدات الاجتماعية المقدمة من قبل الدول الغنية، فإنه من المتوقع أن يتراجع إنفاق الأسر الفقيرة ومحدودة الدخل على تعليم أبنائها، وتتراجع قدرتها على الاستمرار في تعليمهم، الأمر الذي سوف يؤدي لا محالة لسحب الملايين من التلاميذ والتحاقهم بسوق العمل.

وتلفت النظر هنا الفروق التمويلية الهائلة، بين ما توفره الدول الغنية لقطاع التعليم، وبين عجز الدول الفقيرة عن توفير الميزانيات والدعم اللازم للتعليم. فعلى سبيل المثال، خصص قانون إنعاش الاقتصاد الأميركي وإعادة البناء، مبلغ 130 مليار دولار للتعليم والنفقات المتصلة به.

ويحدد التقرير ستة أهداف يرتبط تحقيقها بتوافر التمويل اللازم لها، وتكامل كافة الجهود الدولية والإقليمية والمحلية على السواء. يرتبط الهدف الأول بتوسيع وتحسين الرعاية والتربية الشاملتين في مرحلة الطفولة المبكرة، وبشكل خاص لصالح الأطفال الأكثر تأثرا وحرمانا.

ويركز هذا الهدف على رعاية الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، إضافة إلى الأمهات. فقد شهد عام 2008 وفاة 3,9 ملايين طفل، كما يُقدر أن يكون سوء التغذية ضمن الأسباب المباشرة لحالتين من كل ثلاث حالات وفيات للأطفال دون سن الخامسة في العالم.

وفي ضوء ذلك، فإنه من الضروري التركيز بدرجة كبيرة على الأطفال الضعفاء والمستبعدين حول العالم، والذين لا تصلهم أية خدمات صحية أو تعليمية.

ويتكامل مع الهدف الأول، الهدف الثاني الذي يتعلق بالعمل على تمكين جميع الأطفال بحلول عام 2015 من الحصول على تعليم ابتدائي جيد، مجاني أو إلزامي، والتركيز بوجه خاص على الفتيات والأطفال الذين يعيشون في ظروف صعبة، أو ينتمون لأقليات إثنية.

وبالإضافة إلى الهدفين السابقين، يضع التقرير أربعة أهداف أخرى، تتمثل في ضمان تلبية حاجات التعليم لكافة الصغار والراشدين، من خلال الانتفاع المتكافئ ببرامج ملائمة للتعلم واكتساب المهارات الحياتية، وتحقيق تحسن بنسبة 50% في مستويات محو أمية الكبار بحلول عام 2015.

لاسيما لصالح النساء، وتحقيق تكافؤ فرص التعليم الأساسي والتعليم المستمر لجميع الكبار، وأخيرا تحسين كافة الجوانب النوعية للتعليم وضمان الامتياز للجميع.

وميزة هذه الأهداف الستة، أنها تواجه مشكلات التعليم وتراجع تقدمه، من خلال نظرة شمولية تشمل كافة الشرائح الاجتماعية والأعمار المختلفة، وإن كانت تهدف بشكل أساسي لضمان وصول الخدمات التعليمية للمحرومين من الفقراء والإثنيات العرقية، إضافة إلى النساء.

يقدم التقرير صورة متشائمة لأوضاع التعليم في أعقاب الأزمة المالية الاقتصادية الراهنة، ورغم ذلك فهو لا يقف فقط عند حدود التوصيف للواقع التعليمي الكوني، لكنه يقدم في نهاية المطاف خطة من عشر نقاط، من أجل التغلب على مشكلة التهميش في مجال التعليم.

يمكن تلخيصها في الملامح التالية: تحديد أهداف تتحقق من خلالها العدالة الاجتماعية في مجال التعليم، وتتمثل في تقليص أوجه التباين بسبب الثروة والنوع واللغة ومحل الإقامة.

ويساعد على تحقيق ذلك، وجود قاعدة معلومات دقيقة يمكن من خلالها تعيين الفئات المحرومة في المجتمع، والأسباب المؤدية لتهميشها. وتعتمد الخطة أيضا على رؤية شمولية ترتبط بتخفيض تكاليف التعليم، والعدل في توزيع الخدمات المرتبطة به جغرافيا، وتطبيق شبكة قوانين ضد التمييز في مجال التعليم.

وتربط هذه الخطة بين الجهود المحلية للدول الفقيرة على وجه الخصوص في مجال تعبئة الموارد اللازمة من أجل الإنفاق على التعليم، وبين الجهود الدولية في مجال المعونات اللازمة وتحسين الاستفادة بها، وضمان وصولها لمستحقيها من الفقراء والمهمشين.

ويركز تقرير اليونسكو على الفئات المحرومة من التعليم، ويسعى من خلال تضافر الجهود المحلية والدولية، للنهوض بالتعليم عبر العالم.

ومن أجل ذلك، فإنه يربط تلك الخطة بمجموعة من الخطوات الإجرائية، تشمل عقد مؤتمر دولي رفيع المستوى عام 2010 بشأن تمويل التعليم، وتقديم معونات متواصلة تعوض نقصان الإيرادات في عامي 2008 و2009 للدول النامية، سواء أكانت من خلال الدول الغنية، أو المؤسسات الدولية وعلى رأسها البنك الدولي.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com