تتحدث وسائل الإعلام الغربية كثيرا عن الديمقراطية والانتخاب الحر المباشر للقادة الذين ينبغي ان يكون سلوكهم السياسي انعكاسا لطموحات الناخبين والرأي العام في تلك البلاد وخاصة في دول الاتحاد الاوروبي.

لكن الذي حدث خلال السنوات القلائل الماضية اثبت أن قادة في اوروبا(والولايات المتحدة) قد خدعوا شعوبهم ولم يستجيبوا لطموحاتهم ومطالبهم التي عبروا عنها من خلال استطلاعات الرأي والمسيرات المليونية التي طافت الشوارع تطالب بمطالب لم ينصت لها اولئك القادة ، فماذا كانت النتيجة؟ إن الذي ترتب على هذا التجاهل لمطالب الشعوب الاوروبية ان اصبح الرأي العام الاوروبي في واد والحكام الاوروبيون في واد آخر ، خاصة بعد افتضاح مؤامرة جوازات السفر التي استخدمتها المخابرات الاسرائيلية في انتهاك سيادة دولة عربية على اراضيها وارتكاب جريمة قتل المبحوح ثم تسجيل أدلة الجريمة بالصوت والصورة ، جريمة القتل وجريمة استخدام جوازات السفر الاوروبية.

لقد ترتب ايضا على ذلك مبادرات شديدة الأهمية من الناس ، من العوام الذين لم يكونوا يكترثون كثيرا بالسياسات الخارجية ، وكانوا يصدقون بسهولة ما تقوله الدعاية الصهيونية في بلادهم عن اسرائيل بأنها ارض العسل واللبن التي يريد العرب محوها من الخارطة الى غير ذلك من الأكاذيب الاسرائيلية. وإصرار المخابرات الاسرائيلية على عدم الاعتراف بجريمتها استدعى في اذهان الرأي العام الاوروبي أكاذيب اسرائيل الاخرى حول الجرائم التي لم تعترف بها من قبل ، وبادر مواطنون في اوروبا الى اتخاذ مواقف اكثر جرأة من السياسيين، مواقف تفضح الأكاذيب الاسرائيلية وتتهكم عليها في نفس الوقت ، وهذا الامر يزيد من تعرية اسرائيل وشعورها بالإحباط في نفس الوقت ونسوق على ذلك شاهدين.

الاول: قام مجلس بلدة ايرلندية بإزالة صفحة من دفتر الضيوف لانها تحمل توقيع السفير الاسرائيلي، وإجراء المجلس هذا يشكل ردا على استخدام الموساد لجوازات سفر ايرلندية في عملية اغتيال المبحوح، وغير ذلك من سلوكيات اسرائيلية معيبة وانتهاكات بحق القانون الدولي ومعاهدات حقوق الانسان. وكان السفير الاسرائيلي يزور البلدة في محاولة لتبييض وجه اسرائيل ، وكان الرد من مجلس بلدة (كريماكروس) هو هذه الصفعة المؤلمة التي تشكل ابلغ رد على مساعي السفير الاسرائيلي في ايرلندا.

الشاهد الثاني: من اسبانيا كان بمثابة صفعة أشد ألما على وجه السفير الاسرائيلي في اسبانيا وذلك حين سأله تلميذ اسباني صغير: كم فلسطينيا قتلت هذا اليوم يا سعادة السفير؟ وكان السؤال صادما بالطبع وأدى الى احتجاج من مسؤول كبير بالخارجية الاسرائيلية متهما (المعلمين) في اسبانيا بتحريض طلابهم على كتابة الرسائل (السؤال تم توجيهه عبر رسالة هاتفية) فهل تعليم الاطفال كيف يكتبون الرسائل اصبح خطيئة تعليمية في نظر الاسرائيليين ام ان حرية التعبير لا يجب ان تطول اسرائيل؟.

ويتضح من هذين الشاهدين أن زمام المبادرة بدأ ينتقل من يد السياسيين إلى يد الرأي العام في اوروبا الذي بدا اكثر نضجا من السياسيين الذين يحكمونه والذين يبحثون عن مخرج من ازمة جوازات السفر على نحو (لا يحرج اسرائيل) ناهيك عن ان يقوم مسؤول او حكومة بطرد السفير الاسرائيلي او سحب سفير تلك الحكومة من اسرائيل لبيان حجم الخطأ الذي ارتكبته اسرائيل في حق شعوب تلك الدول، وقد صدرت امس دعوة من لبنان باعتبار حملة الجوازات الاجنبية مشبوهين إلى أن يثبت العكس.

انها نتائج تراكمية تستقر في روع المواطنين البسطاء وتعبر عن نفسها بعفوية تشبه عفوية الطفل الاسباني الذي وجه هذا السؤال الذي لا يقوى عليه الكبار في عديد من الدول كما انها دليل على أن القضية الفلسطينية تقاتل عن نفسها حين يخذلها الآخرون.