عندما خاض اليورو مرحلة التأسيس، في تسعينات القرن الماضي، كان من الواضح أنه لن يستطيع الصمود في نهاية المطاف، من دون إنشاء وزارة مالية أوروبية، وإجراء عملية تنسيق بين الضرائب والسياسات المالية في منطقة اليورو بأكملها. وكانت تلك الخطوة لا غنى عنها، عقب إنشاء البنك المركزي الأوروبي.

ونظرا لأن جدار برلين تعرض للسقوط في الوقت الذي كانت تجري فيه الاستعدادات لعملية إطلاق اليورو، فقد تجاوزت عملية توسيع الاتحاد الأوروبي الجدول الزمني المقرر الخاص بزيادة العمق الأوروبي.

ولهذا السبب تبدو أوروبا هذه الأيام كحيوان غريب إلى حد كبير، وهي بمثابة اتحاد لديه بنك مركزي وعملة واحدة، ولكن من دون وزارة مالية للتنسيق بين السياسة المالية وسياسة فرض الضرائب، التي تتم من خلال سلسلة من الدول ذات السياسات المستقلة.

والآن تواجه أوروبا لحظة إدراك الحقيقة، فنحن ندرك الآن أن امتلاكنا لعملة موحدة، يعني أنه لا بد من وجود قدر كبير من التضامن، في أرجاء المنطقة الأوروبية، وإلا فسيعاني الجميع جراء ذلك. فإذا أخفقت اليونان، فستخفق اسبانيا، وكذلك ألمانيا، وبقية دول الاتحاد الأوروبي.

وهناك نسبة كبيرة من الأصول المالية المعرضة للخطر، نتيجة للتداخل الكبير بين الاقتصادات الأوروبية، الناجم عن التحولات التي يتعرض لها الاقتصاد الأوروبي، بحيث انه كما هي حال أزمة رهن الأوراق المالية، فإنه لا أحد يعرف في الواقع المدى الكامل للمخاطر التي قد تنجم عن هذا الصندوق الأسود، في حال تخلفت اليونان عن المساهمة فيه.

وببساطة فإن التكامل قطع شوطا كبيرا، بحيث لن يسمح بتعرض اليونان، أو أية دولة أخرى في منطقة اليورو، لانهيار مالي.

وللوهلة الأولى قد يفترض الخبراء أن هذه الأزمة تساهم في شق الصف الأوروبي، وتمزيق أوروبا، لكنها في الحقيقة، ستلزم أوروبا، في المحصلة النهائية، باستكمال جدولها الخاص بزيادة عمقها الاستراتيجي.

وهذا هو بالضبط ما حدث في اللحظة التي تمت فيها ولادة اليورو، إذ أبدى الكثير من الدول الأعضاء ترددا في مستهل عملية الانضمام إلى هذه العملة، لكن كان يستحيل تعزيز سوق الاتحاد الأوروبي من دون وجود عملة موحدة.

وبدا واضحا للجميع أنه في حال وجود سوق موحدة بعملات متعددة، فستحصل منافسات تجارية من خلال خفض قيمة بعض العملات.

وهكذا فإن إيجاد تلك العملة كان الخيار الوحيد لأوروبا، عندما رغبت في إقامة سوق واحد مشترك. لذلك حتى لو بدا أن بعض الدول مترددة في ذلك، فإن أية دولة كانت ترغب في الاستفادة من وجود سوق اقتصادية موحدة، عليها الانضواء تحت راية العملة الموحدة.

اليوم، وعلى الرغم من أن الرأي العام يعارض فرض ضريبة وسياسة مالية واحدة على جميع أنحاء أوروبا، فإن الأوروبيين سيسايرون هذه السياسة عند حد معين، فبدونها لن يستطيع اليورو الصمود.

ونظرا لأن الجميع سيخسر بقدر كبير، فسنشهد أولا، وهو ما بدأنا نراه الآن، تنسيقا فعليا في السياسات الأوروبية. وسيصبح هذا التنسيق قانونيا في السنوات المقبلة، تماما كما تم تخيله في البداية، من خلال إنشاء وزارة مالية وبنك مركزي أوروبي.

إن اليونان هي مهد أوروبا، والأزمة اليونانية اليوم سوف تصبح بمثابة القابلة التي ستعمل على استكمال ولادة المشروع الأوروبي.

كبير مستشاري الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران