أثبت علم الرياضيات أن هناك نظاما في عالم اللانظام (الفوضى)، فهل هناك عقلانية في عالم اللاعقلانية؟ فإذا أخرجنا العقلانية من كلمة العقل، فهذا يعني تحكيم العقل في الأمور التي تواجه الإنسان ومجتمعاته.

وما يهمنا هنا بعض الأمور السياسية في الساحة العربية والتي تحير العقل، فنحن نعيش عالم اللاعقلانية، وسنحاول هنا استعراض بعض هذه الأمور والنظر إليها في شيء من العقلانية.

العقلانية، كما يراها الدكتور عبد المالك التميمي، هي أعمال الفكر والرأي في فهم أمور الحياة، والاعتماد على العلم والعقل في ذلك. ويطرح أن العقلانية في عالمنا الحاضر تتمثل في الدولة العلمانية والدينية.

حيث إن الأولى عقلانيتها الدولة المدنية، باعتماد الدستور والقانون الوضعي والمنهج العقلاني في إدارة شؤون البلاد والعباد وهي لا تعادي الأديان، أما دولة الدين (الإسلامية) فعقلانيتها أسلمة الدستور، سواء الأزهريون أو طالبان أو غيرهم.

أما اللاعقلانية فهي منافاة العقل، وفي هذا المذهب يرى أن العالم لا يُدرك كله بالمعرفة الواضحة، بل يتضمن بقايا غير معقولة وغير قابلة للتًأويل، ويرى ياسين الحافظ أن السياسة اللاعقلانية هي السياسات القطرية الانعزالية المتكيفة مع واقع التأخر والتجزئة والتبعية بصورة أساسية، أما العقلانية في السياسة فهي «الواقعية السياسية» التي تستجيب لمطالب العقل، بانطلاقها من الواقع إلى الهدف، وليس العكس.

اتخذ الغرب العقلانية لتفسير الواقع والتعامل معه، تحت إطار أيديولوجيا الديمقراطية والبراغماتية (إعادة النظر في الأمور والتكيف مع الواقع المتغير للوصول للهدف).

وما يحيرني أنهم (الغرب) يطالبون العرب بالديمقراطية، وهم عندما استعمروا العرب انفردوا بالحكم ولم تكن لهم نية لخلق مناخ ديمقراطي، ربما لتخوفهم من أن يطالبهم العرب ديمقراطياً بالرحيل!

أما الإرث الاستعماري الذي تركوه عند خروجهم، فتمثل في مشاكل الحدود وبث الطائفية والانقلابات العسكرية والاحتلال الإسرائيلي والحروب، والتي أدت إلى عدم الاستقرار السياسي والقُطرية الانعزالية المتكيفة مع واقع التأخر والتجزئة والتبعية، بصورة أساسية للدول العربية (اللاعقلانية التي نعيشها).

ومشهد آخر هنا، لماذا هذه الفوضى السياسية والتأخر في الدول العربية التي تركها الغرب، والإصرار على الاستثمار في ديمومتها؟ أنا ممن يرون أن الغرب، وخاصة الولايات المتحدة.

يقوم بتحييد وبث القلاقل وعدم الاستقرار في الدول التي تشكل خطورة استراتيجية لها (جورج فريدمان 2009)، وتتجه التخوفات الغربية حول بناء العرب لقواهم، فقد تكون لها عواقب غير محمودة لأمن البحر الأبيض المتوسط والأمن الدولي، فهل العرب غير مؤهلين للقيام بلعب دور دولي كهذا؟ ولمَ لا؟

ما يقلق الغرب أكثر هو الدول العربية الفاشلة التي تشكل خطر انفجار اجتماعي وسياسي، فتحت وطأة النسب العالية جدا من الفقر والبطالة، فإن احتمال ثورة الفقراء والمحرومين ستسقط حكوماتهم كما حصل في أوروبا الشرقية وارد، فهل هناك استعداد لدى الغرب لهذا السيناريو للتعامل مع دول عربية ديمقراطية؟ ما هي خياراتهم وأين سيأخذوا بنا؟ سؤال مفتوح والأجوبة متشعبة..

تشكل إدارة الوضع في الدول العربية الفاشلة جزءا من المسار العام للغرب (لاحتواء الإرهاب الإسلامي)، ومن متطلباته اكتساب ثقة الشارع الإسلامي، وإعادة النظر في الهيكل القيادي وحجم الفساد الإداري والسياسي في هذه الدول، والعمل على النهوض الاقتصادي لمعالجة الفقر والبطالة قبل أن يتأخر الأوان (من سيدفع الحساب؟).

أما المسار العام فقد أطلقه الرئيس الأميركي باراك أوباما بمد اليد للعالم الإسلامي، وهو أكثر شمولية، ومن متطلباته تهدئة أو تحييد القضية الفلسطينية ـ الإسرائيلية، وهذه العقلانية تبدو مزعجة لإسرائيل، حيث إنها قد تؤدي في النهاية إلى تهميشها أو حتى فرض خيار الدولة الواحدة عليها، فهل ستتحمل إسرائيل احتمالات كهذه؟

وهل ستقوم بضرب لبنان أو غزة وتزج بنا في حرب صواريخ مدمرة؟ وكيف سيكون الموقف الأميركي تجاه هذا العبث في استراتيجيتها؟

هناك أمور يعيشها المرء يصعب إيجاد تفسير أو عقلانية لها، ومنها أين ذهبت مليارات الدولارات التي أنفقتها دول الخليج على الدول العربية الفقيرة؟ هل كان الهدف منها إطعامهم خبزاً أم انتشالهم من الفقر؟

أم ماذا؟ وهل نحن المسؤولون عن ظاهرة الفساد الإداري والحكومي التي سببتها هذه التحويلات؟ العقلانية تطالب بان تكون هناك نتائج ملموسة على الإنسان والاقتصاد في تلك الدول، وأن هذه الاستثمارات في تلك الدول العربية تجعلها ظهرا لنا وليس العكس، فهل نحن هنا أمام انقلاب في العمق الاستراتجي العربي؟!

أود هنا أن اختم هذا الطرح بكلمات من محمد الجابري، الذي يرى أن الفكر العربي المعاصر هو كباقي مظاهر الواقع العربي، خاضع لدفعات واستعجال تاريخي، نحن في عصر يأخذنا من كل جانب..

في الاقتصاد، في السياسة، في الثقافة ونريد أن نجابه ونقاوم في كل الحالات، نحن موضع لصراع طويل ومطالبون برد فعل دائم.

كاتب إماراتي

wafik@almullaholding.com